Home»Débats»« حتى هو خدام على الوالدة »

« حتى هو خدام على الوالدة »

0
Shares
PinterestGoogle+

                            رمضان مصباح

« كولشي راه يكريسي« :

منذ سنوات عنونت مقالا لي ب: »كولشي راه يكريسي »؛ وسببُ النزول عملية اعتراض سبيل ،وسرقة ،تمت بأطراف حي السعادة بفاس.

لما حضرت الشرطة لتعتقل المراهق الجاني ،وتجمع سكان الحي للفرجة، شرعت أمه في الصراخ والاحتجاج ،على رجال الأمن ،بدعوى  كون ابنها ليس الجانح الوحيد  في الحي.

يفهم من كلامها أنها كانت على علم بنشاط ابنها الاجرامي ،بل وبخريطة الاجرام في الحي كله ؛حتى غدا الأمر مألوفا لديها ؛وربما كانت متواطئة بخصوص ابنها ،ومستفيدة.

ولعل العديد من جاراتها سرن على نهجها في التكتم على الجنح ،وتربيتها حتى تكبر جرائم مكتملة الأركان.

وهذا النهج  « التربوي » الجانح  أثمر اليوم عناقيد غضب،على مستوى مدننا كلها .

تذكرت النازلة وأنا أتابع مع المتابعين الكُثَّر شريطا ،جرت أحداثه بحي ملاي رشيد بالدار البيضاء ؛يظهر فيه جانح وهو يعترض سبيل فتى صغير يشتغل في توصيل الطلبيات (GLOVO ).

وما صدمني ،وصدم الناس ،صراخ الفتى مستعطفا الجانح:  « راني خدام على الوليدة ».

ورغم هذا لم يرف له جفن ؛ولا فارقَ كبيرا في العمر بينهما.

نحو مقاربة  ،تربوية وأمنية ،نسقية :

طبعا لكل نهر منبعٌ ،وعيون مغذية؛ لا جدال في هذا، ولا يتناطح كبشان بخصوص كون الوقاية خير من العلاج.

نعم تم تداول الشريط بكيفية مكثفة، أفضت الى تحرك الأجهزة الأمنية ،بحثا عن هذا الذي لا يشفق حتى على صبي يعيل أمه ؛وفي وقت قياسي تم تقديمه للعدالة ،وتنفس الناس الصعداء.

بدوري شكرت عميقا الأيادي الأمنية  والدركية العتيدة ،لكن المتعَبة من تكرار هذه النوازل ،في حواضرنا كما قرانا.

لكن تظل المقاربة الأمنية وحدها – وان فعالة – غير كافية، وآخر الدواء الكي ،كما يقال .

قبل العمل الأمني يفترض أن يكون هناك عمل تربوي فعال ؛يشتغل على ضوء مناهج قيمِية وظيفية ،تستدخل وضع الشارع ،وما يعتمل فيه من جنح وجنايات .

ولهذا العمل رديف مجتمعي ،يتشكل من الجمعيات المدنية ،المخالطة للتجمعات السكانية ،والعارفة بأدوائها.

ومن الممكن أن يتعزز كل هذا بأنشطة الجمعيات المهنية ،ذات التعلق بالقضاء ؛فليس المحامي من يرافع فقط في المحاكم ،ولا القاضي من يصدر الأحكام ،وينزل القوانين فقط.

وليس رجال الأمن من يلاحقون – فقط – المجرم أو الجانح لضبطه وتقديمه.

يمكن لكل هؤلاء أن يمارسوا دورا تربويا توعويا ؛من خلال زيارة المؤسسات التربوية ،والاشتغال توعويا ، ضمن برنامج مشترك مع رجال التربية .

ان الاشتغال الأمني ،بعيدا عن التربوي ؛أو التربوي بعيدا عن الأمني والقانوي ،لا يعطي كل النتائج المرجوة؛ اذ تظل جزر الجريمة مشرعة ،يتربى فيها النشء الجانح على هواه؛ كما في جزر القراصنة .

أن تُحدِّث النشء عن سلطة الأمن ،ليس كحضور أطره ،ليتحدثوا عن طرقهم في انفاذ القانون.

وأن تُخوِّف بالسجن ليس كزيارته ،ليقف التلاميذ على طعم الحرية ،حينما تصير أعز ما يطلب ،من طرف جانحين ومجرمين وراء القضبان.

أمي فوق الشجرة:

لو صرخ جانح الدار البيضاء ،في وجه ضحيته :

« حتى أنا راني خدام على الوالدة » ؛لكان لنا أكثر من سبب لتصديقه ؛وسندنا الأم التي فضحت العديد من الأمهات :   « كلشي راه يكريسي »

كم من أسر تُربي جانحها ليرتقي مجرما ؛ثم ليلج السجن كمصير حتمي في النهاية.

ذات يوم كنت عابر أروقة في سوق شعبي بوجدة ؛فشنف تاجر سمعي بسباب وتهديد موجه لأب يمسك ،ماشيا، بيد طفله الصغير .

تضايقت ،مما دفعني لسؤاله :

كيف تسب أبا وهو برفقة ابن صغير؟ أجابني : »راك ما عارف والو آأستاذ :هداك راه غادي جاي بولدو ،كوريه واشتا يخْون .احنا عارفينو. »

لم تفارقني صورة ذلك الأب الى اليوم .ترى بعد كل هذه السنين كيف حال الابن اذ استوى شابا؟

هذا السؤال أطرحه بأبواب كل الأسر التي تغمض عينيها على جنح أبنائها ،لتكبر معهم؛ هذا في أحسن الأحوال ؛أما حينما تأمرهم هي بها ،وتعتبر المقدام منهم بطلا فهي مأساة اجتماعية حقيقية.

وتبقى الأم هي  الأقرب الى أسرار أبنائها وبناتها ؛لأنها بِليونة جانب تتعارض مع صرامة الأب ؛هذ في أغلب الأحوال، وليس قاعدة مطردة.

أختم بأولاد « الفشوش« :

في مستهل سبعينيات القرن الماضي وقعت جريمة مروعة ،بالمدينة الجديدة بفاس.

داهت عصابة ،في وضح النهار ،تاجر حِلي يهوديا ؛شدت وثاقه وسرقت كل ما خف وزنه وغلا ثمنه، وما في المتجر غير هذه النفائس.

نزلت الأوامر من أعلى مستوى في البلاد ،وشُنت حملة أمنية ،كادت تقتلع حتى أشجار الحدائق لتبحث تحتها عن الجناة؛ وتواصل البحث ليل نهار .

وعلمتُ من مصدر موثوق أن الحملة تستعين حتى بعتاة مجرمي وجانحي المدينة.

لا شيء في الأفق لأسابيع ؛الى أن تقدم أب – من الأعيان – من رجال الأمن ،يخبرهم بكون ابنه اقتنى دراجة نارية كبيرة ،أحضرها الى المنزل ،دون أن تكون للأسرة أي علاقة بثمنها.

أخيرا وجدت الأجهزة بصيص أمل اتبعوه ،الى أن قادهم الى جماعة من أبناء الأعيان المراهقين .

وأغرب ما في النازلة أن الذهب المسروق عثر عليه ،ملفوفا،بنافذة صغيرة خلف محكمة الاستئناف بفاس.

نافذة تعلو بقرابة الأربعة أمتار عن الطريق.

وتنفس الجميع الصعداء ،مواطنين – مسلمين ويهود – وأمنا ،وربما حتى أصحاب السوابق من المجرمين والجانحين.

أخبرني أحدهم وقتها بكون  الجرائم الصعبة هي التي يقترفها غير  المحترفين .

لولا أب غلَّب مصلحة الوطن الأمنية ،على العاطفة الأسرية ،لما تم حل اللغز.

ان الأسرة حينما تكشف عن جنح صغارها تخفف عنهم وتهذبهم ؛قبل أن يصيروا من عتاة الجنوح  والاجرام.

لا نريد أن نسمع ،مرة أخرى، صبيا منهوبا يصرخ : »راني خدام على الوالدة ».

ولا من قد يرد: حتى أنا راني كنخدم على الوالدة.

« يلا كُلْشي  راه يكْريسِي ؛كُلْشي غادِي يتكْرِسا »

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *