Home»Régional»دور الاعتقاد في ضبط السلوك والعمل ( الحلقة الثانية)

دور الاعتقاد في ضبط السلوك والعمل ( الحلقة الثانية)

0
Shares
PinterestGoogle+

مر بنا في الحلقة الأولى أن الاعتقاد هو الذي يحدد ويتحكم في العمل والسلوك. والعمل والسلوك يسير وفق إملاء الاعتقاد. وكل خلل في الاعتقاد يترتب عنه خلل في السلوك والعمل بالضرورة.
ومن الخلل الملحوظ في مواقف وأعمال وسلوكات بعض الناس رفضهم ما قدر الله تعالى عليهم من شر علما بأنهم يقرون بألسنتهم بأنهم يؤمنون بالركن السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقدر خيره وشره . وكل ما يمكن ملاحظته في مواقفهم وأعمالهم وسلوكاتهم مؤشرات على الإيمان بشطر من القدر فقط وهو شطر الخير دون شطر الشر. فعندما يكون نصيب الواحد منهم خير يفرح ويظهر الطاعة للخالق من خلال سلوك الحمد والثناء وما شابه ذلك ؛ ولكنه عندما ينال نصيبه من الشر وهو قدر حتمي لأن مرحلة الدنيا لا يمكن أن تكون مرحلة اختبار وامتحان خالية من نصيب الشر يظهر الجزع والتذمر بل والمعصية . فكم من إنسان ابتلي بمصيبة كمصيبة فقد الأحبة فعوض أن يصبر ويحتسب كما أمره خالقه جلت قدرته نجده يلجأ إلى خمر محرمة يلتمس فيها العزاء فيكون ذلك موقفا وسلوكا مختلا لأن الاعتقاد اختل ؛ فلو أن صاحب هذا الموقف صح اعتقاده بخصوص قدر الله المكون من خير وشر لتعامل مع شطر الشر من القدر وفق ما أمر به من صبر واحتساب وترجع .
ويكاد الكثير من الناس يسقطون من حساباتهم شطر الشر من قدر الله تعالى وهو فساد في الاعتقاد ينعكس سلبا على حياتهم. والإشكال المطروح هو أن الله عز وجل استأثر بتحديد الخير والشر في قدره إذ قد يرى الإنسان الخير شرا والعكس صحيح لأن منظاره منظار قاصر. وقد ذكر الله عز وجل قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح لتكون تنبيها لنا بخصوص هذا الأمر. فقد رأى موسى عليه السلام بمنظاره القاصر خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار شرا ولكنها كانت كلها خير بمنظار العبد الصالح. وهكذا يكون شأن كل إنسان يلبس نظارة موسى عليه السلام فيرى الأمور على عكس ما هي عليه في الحقيقة ؛ حتى إذا مر عليه زمن اتضحت له الرؤية فنظر إلى نفس الأمور نظرة أخرى ؛ أو نظر إليها بنظارة العبد الصالح صاحب موسى عليه السلام ؛ وحينئذ عرف قصور نظرته الأولى ؛ وحمد الله على ما كان وعرف دلالة قول الله تعالى (( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )) ودلالة الحديث الشريف : ( لو اطلعتم على الغيب لعلمتم أن ما فعله ربكم هو خير).
والمثير للسخرية أحيانا أن الإنسان يتهافت على شر ويلهث وراءه وهو لابس نظارة موسى عليه السلام منطلقا من اعتقاد خاطئ يوقعه في أعمال وسلوكات خاطئة بالضرورة.
ومما يغفل عنه الغافلون أنما يحدث من أحداث في هذا الوجود كلها أقدار إما من نوع الخير وإما من نوع الشر قد كتبت في كتاب شبيه بما نطلق عليه في زماننا كلمة ( أجندا ) بتواريخ محددة مضبوطة يؤكدها قول الله تعالى على سبيل المثال : (( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا )) فالكتاب يحتوي على خير وشر بتوقيت محدد مضبوط لا يحتمل تغييرا. وتأتينا الغفلة من قصور نظرتنا فنرى الأمور تحدث صدفة ؛ ونتعجب من أمر هذه الصدفة بل ونعتقد بوجودها وهو اعتقاد فاسد تترتب عنه نتائج فاسدة تعكسها سلوكاتنا وأعمالنا ومواقفنا. و يقول الواحد منا لقد حدث كذا وكذا؛ وكان هناك عن طريق الصدفة كذا وكذا فحصل كذا وكذا. والحقيقة أن ما حصل إنما حصل عن قصد وتدبير سابق ودقيق لا ارتجال ولا عشوائية فيه ولا هامش فيه لصدفة. فقد يتعب الإنسان من أجل وجبة شهية يجزم أنها من رزقه ؛ وهو متأكد من أنه سيصيبها حتى إذا حل موعد تناولها كما هو مثبت في الكتاب صارت إلى غيره فتعجب من ذلك ؛ ولو كان صحيح الاعتقاد والإيمان لقال : قدر الله وما شاء فعل.
فالاعتقاد إذن هو المتحكم في العمل والسلوك ؛ وما صح منهما إنما يكون كذلك لصحة الاعتقاد.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *