السبيل إلى الحياة الحقيقية

السبيل إلى الحياة الحقيقية
محمد شركي
يختلف الناس في مفهوم الحياة حسب ثقافاتهم ومللهم ونحلهم؛ ويتعاملون مع الحياة تعاملات مختلفة حسب معتقداتهم. و لمفهوم الحياة في التصور الإسلامي شأن خاص ؛ وهو شأن يحدده القرآن الكريم الذي جاء فيه : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) فطلب الحياة في الإسلام رهين بالاستجابة لدعوة الله عز وجل ودعوة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذه الدعوة عبارة عن توجيهات باعتمادها تتحقق الحياة بالمفهوم الشامل. والحياة بالمفهوم الشامل عبارة عن حياة ذات شقين : شق عاجل ؛ وشق آجل وبينهما علاقة جدلية حيث يؤثر كل شق في الآخر. وقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يكون الشق العاجل سريع الزوال ؛ لا يعدو مجرد متاع إذا ما قورن بالشق الآجل الخالد الذي لا زوال له ولا نهاية مصداقا لقوله تعالى : ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) أو قوله : ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ).
ونظرا لطبيعة الشق الزائل من الحياة فإن الله عز وجل جعله وسيلة يطلب بها الشق الخالد الذي هو غاية في حد ذاته. ويختلف الناس في سعيهم وسلوكاتهم حسب مفهومي الوسيلة والغاية . فالذي يتخذ الشق الزائل غاية له سعي ؛ والذي يتخذه وسيلة له سعي آخر. والذي يعتقد بالشق الخالد له سعي والذي لا يعتقد به له سعي آخر.
والحياة الحقيقية في عقيدة الإسلام هي حياة الاستجابة لدعوة الله عز وجل ورسوله. وإذا ما كانت العادة أن الداعي إنما يدعو لحاجة يجني منها فائدة مادية أو معنوية عندما يستجاب له؛ فإن دعوة الله عز وجل الغني عن خلقه تعود بالنفع عن المستجيب لا على الداعي. ولما كان الخالق جلت قدرته أعلم بما خلق وذرأ وبرأ فإنه حدد سبل الحياة الطيبة للخلق عندما جعل الدنيا وسيلة والآخرة غاية ؛ وجعل الثانية تطلب بالأولى؛ وجعل السعي من أجلهما مختلفا من حيث النتائج فقال جل من قائل: ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نوته منها وما له في الآخرة من نصيب ) فكما يتخذ الإنسان الدنيا غاية فإنه يستهلك نصيبه كاملا ولا يبقى له حق في نصيب الآخرة. وليس من العدل أن تتساوى الأنصبة بين من اتخذ الدنيا وسيلة ومن اتخذها غاية.
والذي يتخذ الدنيا غاية يشقى شقاوة لامثيل لها لأن الخسارة في الغاية ليست هي الخسارة في الوسيلة ؛ فقد يتأخر تحقيق الغاية بتعثر الوسائل ؛ ولكن إذا لم تتحقق الغاية فلا قيمة للوسائل. وما أشبه الإنسان الذي يتخذ الدنيا غاية بطفل صغير يركب قطارا ليصل إلى غاية ؛ وعند نقطة الوصول يأبى النزول ويبكي وينتحب لأن ركوب القطار كان هو كل غايته.
وقولنا الدنيا مجرد وسيلة لا يعني ما يفهمه البعض من زهد فيها وانصراف عنها كما يفعل أصحاب الفلسفات المتشائمة الناقمة بل يعني التعامل معها وفق دعوة الله عز وجل ؛ فلا يأتي منها الإنسان إلا ما أراده منه ربه وخالقه وبالكيفية المحددة المطلوبة بلا زيادة ولا نقصان. ولا تتحقق سعادة الإنسان إلا إذا نال نصيبه من الدنيا بالكيفيات التي حددها له ربه وخالقه سبحانه وهو ما عبر عنه تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر المؤمن حين قال : ( عجبا لأمر المؤمن كل أمره له خير إن أصابه خير شكر وهو خير له ؛ وإن أصابه شر صبر وهو خير له ) فهذا حال الذي يتعامل مع الدنيا كوسيلة لغاية أكبر منها وهي الآخرة ؛ فلا يحزن لنقمة ؛ ولا يفرح لنعمة إلا بقدر ما يتطلبه الموقف حسب الطبيعة البشرية وما أودع الله فيها من قدرة على التحمل ؛ ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والذي يتعامل مع الدنيا كغاية لا حدود لحزنه إذا حزن؛ ولا حدود لفرحه إذا فرح؛ فهو إما خاسر خسارة كاملة؛ أو رابح ربحا كاملا مستوفيا لنصيبه وحرثه من الدنيا بلا نصيب ولا حرث في الآخرة. وحزن وفرح من يتخذ الدنيا وسيلة للآخرة من طبيعة متاع الدنيا نفسها ؛ فهما حزن وفرح من سنخ اللهو واللعب ؛ ولا يعتبر الحزن حزنا ؛ والفرح فرحا إذا ما كانا مجرد لهو ولعب.
ولا يستوعب حقيقة الحياة بالمفهوم الإسلامي إلا من شغل طاقة العقل الذي أودعها الله عز وجل فيه والتي تميزه عن غيره من المخلوقات المصممة أصلا للأفعال الغريزية الفطرية التي هي عبارة عن استسلام لصنع الخالق. والإنسان كمخلوق يشارك باقي الكائنات في الأفعال الغريزية الفطرية ؛ ويفضلها بالعقل المتحكم في هذه الأفعال ؛ والذي حظي به تكريما ووفر له إرادة للاستسلام الطوعي عوض الاستسلام القسري كما هو حال كل المخلوقات التي تشكر الخالق بالتسبيح من خلال التزام أحوالها وهيئاتها التي خلقت عليها دون فرص التبديل أو التغيير التي أتيحت للإنسان من خلال قدرة وملكة العقل.
ولقد ذم الخالق سبحانه تعطيل ملكة العقل التي يهوي تعطيلها بالإنسان إلى مستوى دون مستوى الأنعام كما عبر عن ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أهين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) فالغفلة هي تعطيل حواس كالسمع والبصر التي تمد القلوب المتفقهة وهي العقول العالمة؛ وهي السر وراء التردي إلى مرتبة ما دون الأنعام من حيث الضلال. وعدم الاستجابة لدعوة الله تعالى ودعوة رسوله صلى الله عليه وسلم عبارة عن غفلة وتعطيل للعقول ؛ وهو ما يؤكده الوحي في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) فالسمع المعطل تعطيل لأداة من أدوات العقل ؛ والصمم والبكم مؤشران على تعطيل العقل حسب سياق الآية الكريمة ؛ ولا خير في تعطيل العقل. وما أتفه صاحب عقل يرضى لنفسه مرتبة دون مرتبة الأنعام ؛ وإن الحمار مثلا وهو مفتقر للعقل طبيعة وجبلة أحسن حالا من إنسان يعطل عقله إذ يحقق الحمار نفس النتائج التي يحققها صاحب العقل المعطل فتكون رتبة ودرجة الحمار أفضل من رتبة صاحب العقل المعطل ؛ ويصير الحمار مشبها به مشهورا وبه يعرف المشبه المغمور صاحب العقل المعطل كما هو الحال في قوله تعالى : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) وللحمار عذره ولا عذر للذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها بسبب تعطيل عقولهم.
ومستعمل العقل يتحاور لا محالة مع خطاب ربه ؛ ويستجيب لما يحييه في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة الحياة الطيبة ؛ وهي الحال التي وصفها قول الله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) فالحياة الطيبة هي ما كان شطرها العاجل وسيلة ؛ وشطرها الآجل غاية ؛ والعمل الصالح هو الاستجابة لله تعالى ولرسوله مع وجود إيمان بأن دعوة الله ورسوله حق ؛ وأنها تفضي على السعادة في الحياة بمعناها الشامل.
والخسارة هي خسارة الحياة بالمعنى الإسلامي وهو ما يؤكده قوله تعالى : ( قل عن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ) وعجبا لمن يدعي امتلاك عقل وهو شديد الحرص على عدم خسارة نفسه وأهله في حياة زائلة ؛ ولا يبالي بخسارة نفسه وأهله في حياة خالدة.




7 Comments
commentaire censuré=oujdacity
تحية وتشجيع لحكمة المشرفين على موقع وجدة ستي……..
هكذا تكون الحرية التي تدافع عنها صحافة الغوغاء يا سي قدوري.
لقد كنت متيقنة من انكم لن تجرؤوا على إغضاب زعيمكم القبلي خوفا من لسانه الحاد.
أما إذا سب و شتم غيره فتنشرونه بكل وقاحة . و الله إننا في زمن أنصاف الرجال.
إلى المدعو عيساوي
أنا أستغرب أمرك يا رجل ؛ هل يتضمن مقالي هذا سبا أو شتما يتناولك أنت شخصيا ؟؟
الأستاذ قدوري لا يخشى أحدا وإنما يريد تخليق جريدته ولن يسمع بتعليقات الإساءة وأنا أحييه بسبب ذلك.
إذا كانت عندك شجاعة فاكشف عن هويتك من خلال اسمك الكامل وصورتك ومهنتك واكتب مقالا وقل ما شئت فيه وإلا فالذي تفعله عمل الجبناء المتسترين وراء اقنعة بكلام غير مسئول فيه اتهام مجاني للناس ؛ ومع ذلك تشكك في مصداقية جريدة لم ترد أن تنشر لك التعليقات المسيئة
المرجو من السيد قدوري ان يلزم الحياد فما ينشر يعبر عن راي صاحبه اما ان تمارس الحجز على البعض ( عيساوي نموذجا ) وتفتح الموقع على مصراعيه للبعض الاخر ( الشركي نموذجا ) ليقول ما شاء ويسب من شاء وكيف شاء فاعتقد ان هذا بعيد عن حرية التعبير التي اتخذتها شعارا لموقعك ولايخدم الموقع الذي تتشرف الجهة الشرقية به .
ما قلته للمدعو أو المدعوة عيساوي أكرره للذي نعت نفسه بأستاذ من جرادة
عليك أن تكون شجاعا فتكشف عن هويتك وباسمك ولقبك وصورتك ولك أن تكتب مقالات تعبر فيها عن وجهة نظرك أما التستر وراء النعوت والصفات واتخذها مطية للتعليقات المسيئة فليس من المروءة في شيء ولا يقبل من أحد مهما كان
فأنا عندما أكتب لا أستعمل الأقنعة وأتحمل مسئولية ما أكتب أدبيا وقانونيا
التعليق الذي لم يثبت للمدعو أو المدعوة عيساوي لم يتناول المقال الذي كان يدور حول مفهوم الحياة من خلال الطرح الاسلامي ولم يتعرض مقالي لأحد بالشتم والسب كما زعم زورا وكذبا
من قواعد اللعبة في الصحافة الكشف عن الهوية لتحمل المسئولية كاملة ولا مبرر للاحتجاجات أمام من يرفض قواعد اللعبة
المرجو من الاستاد ان يوضح المقصود بالطرح الاسلامي الوارد في الرد اعلاه ادا كان ممكنا وشكرا