لا لثقافة النسيان … الكتاب الأبيض … بقلم يوسف حجازي

لا لثقافة النسيان
الكتاب الأبيض … بقلم يوسف حجازي
كان اللورد باسفيلد وزير المستعمرات البريطاني في حكومة رمزي ماكدونالد العمالية التي تشكلت بعد فوز حزب العمال البريطاني في انتخابات 1929وفي الوقت الذي لم يكن فيه الحزب قد وقع بعد في اسر أجنحة الحركة الصهيونية قد اصدر الكتاب الأبيض في 20 تشرين أول 1930 ، وكان اللورد باسفيلد يشتهر باهتماماته الإنسانية وميوله الاشتراكية بصيغتها الأولى المتفتحة على الأممية وحقوق الشعوب المستعمرة إلى درجة تأييد الشعوب الأفريقية ضد المستوطنين الأوربيين البيض ، واعتبار المصالح الصهيونية اعتداءا صريحا على حقوق الشعب الفلسطيني مما جعل الحركة الصهيونية تنظر إليه كأخطر عدو في الحكومة البريطانية ، وقد استند اللورد باسفيلد في كتابه الأبيض على تقرير لجنة والتر شو كبير القضاة البريطانيين في 31 آذار 1930 وهي لجنة برلمانية شكلها وزير المستعمرات باسفيلد من الأحزاب البريطانية ، وكانت صلاحيتها مقيدة ومحصورة في التحقيق في الأسباب المباشرة لانتفاضة البراق في 23 آب 1929 والتوصية بما يتخذ من تدابير لتجنب تكرارها ، وقد أشارت اللجنة إلى أن العلاقات بين الفلسطينيين واليهود قبل الحرب العالمية الأولى كانت جيدة ، فقد عاشوا جنبا إلى جنب بألفة ومحبة وتسامح وتساهل ، وهذا لم يعد متوفرا وموجودا في عام 1929 ، وترى اللجنة أن هذا التغير في العلاقات بين الشعبين جاء نتيجة للسياسة المتناقضة للحكومة البريطانية فيما يتعلق بتصريح بلفور والوعود التي اعطتها بريطانيا للشريف حسين في مباحثات الحسين – مكماهون خلال الحرب العالمية الأولى في عام 1916 وبيان الجنرال أللنبي في عام 1917 الذي قال فيه أن هدف دول الوفاق هو تحرير الشعوب التي كانت تخضع للحكم التركي وتأسيس حكومات وطنية تستمد سلطتها من رغبة السكان الوطنيين ، وانه ليس لبريطانيا ولا لفرنسا إطماع في هذه البلاد ، وحق تقرير المصير الصادر عن مؤتمر الصلح في فرساي في عام 1919 طبقا لمبادئ ولسون الأربعة عشر ، وتقرير لجنة كنغ – كراين التي أوصت في عام 1919 على ضرورة أن تكون فلسطين جزء من سورية ، وتقرير الفاتيكان في عام 1922 الذي رفض الوصاية البريطانية على فلسطين لأن ذلك يهدد المساواة بين الأديان ، واقتراح اللورد اسلنجتون في مجلس العموم البريطاني في عام 1922 الذي يرفض الانتداب على فلسطين لأنه يتنكر للوعود التي قطعتها بريطانيا للشعب الفلسطيني في الاستقلال في بيانيها في عام 1915 وعام 1918، ولذلك يكون إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين حسب المعنى الواسع الذي فهم به يخالف مطالب العرب القومية ، بينما لو سلم بالمطالب القومية العربية لأصبح من المستحيل تحقيق تصريح بلفور ، ولذلك ناشدت اللجنة في تقريرها الحكومة البريطانية وضع سياسة واضحة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني ومشاكل تدفق المهاجرين اليهود وتسرب الأراضي، كما استند اللورد باسفيلد في كتابه إلى تقرير لجنة جون هوب سمبسون خبير الأراضي الذي صدر في 20 تشرين أول 1930 والذي دعا إلى تقييد الهجرة اليهودية بحيث لا يؤثر على حياة الفلسطينيين واقتصادهم خاصة وانه لا يوجد في فلسطين أراضي زائدة عن اللزوم لاستقرار المهاجرين اليهود ، وذلك بالإضافة إلى أجزاء هامة من صك الانتداب وكتاب تشرشل الأبيض الصادر في 1922 ، وقد تضمن الكتاب إعطاء قسم من الحكم الذاتي للفلسطينيين على غرار ما اقترحه ونستون تشرشل في كتابه الأبيض في عام 1922 ، وإقامة مجلس تشريعي فلسطيني يتكون من 22 عضو يتم انتخاب 12 عضو منهم ويعين الباقي من طرف المندوب السامي ، وإتباع تنمية زراعية منظمة ، ولهذا دعا الكتاب إلى تسجيل ملكية الأراضي واعتبار النظام المشاع عقبة في وجه التنمية ، وتقييد نقل ملكية الأراضي بمخططات الإدارة وموافقتها ، وربط الهجرة بأحوال العمل والقدرة الاستيعابية للبلاد ، وانتقاد الأساليب السياسية التي اتبعتها الوكالة اليهودية واتحاد النقابات الصهيونية ( الهستدروت ) في تعاملهما ومواقفهما ومقاطعتهما للعمال العرب ، وضرورة لفت النظر إلى أن الوكالة اليهودية ليست جزء من السلطة وان كان من الضروري التعامل معها ، لكن اليهود ثاروا على هذا الكتاب وتظاهروا ضده في لندن والعواصم الغربية ونددوا بسياسة بريطانيا وسياسة حزب العمال البريطاني وسياسة رئيس الوزراء العمالي ماكدونالد وسياسة وزير المستعمرات باسفيلد وطلبوا من الولايات المتحدة مقاطعة بريطانيا اقتصاديا ، وذلك بالإضافة إلى المعارضة البريطانية التي اتهمت رئيس الوزراء العمالي رمزي ماكدونالد بالحنث بوعود بريطانيا لليهود ، استقالة حاييم وايزمن من رئاسة المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية ، ولكنه ورغم استقالته استغل صداقته مع مالكو لم ابن رئيس الوزراء البريطاني في ترتيب لقاء له مع والده ، ولم تهدأ ثورة اليهود إلا بعد أن اضطر رئيس الوزراء رمزي ماكدونالد إلى التراجع عن كتاب باسفيلد الأبيض وإصدار كتاب ماكدونالد الأسود الذي يخفف كثيرا من كتاب باسفيلد الأبيض ، وهو عبارة عن رسالة بعث بها رئيس وزراء بريطانيا رمزي ماكدونالد في 14/2/1931 إلى حاييم وايزمان نشرتها جريدة (التايمز)، يقدم فيها توضيحاً وتفسيراً للكتاب الأبيض الذي أصدره اللورد باسفيلد بناء على توصيات لجنة شو وتقرير لجنة سمبسون اللتين قدمتا إلى فلسطين في أعقاب انتفاضة 1929 ، وكانت التوصيات الصادرة عن اللجنتين المذكورتين أثارت حفيظة اليهود الذين رأوا فيها تراجعا عن الوعود البريطانية للمنظمة الصهيونية ، وبالفعل نجحت الصهيونية في إزالة بعض التصورات والمفاهيم التي نشأت حول سياسة الحكومة
بشأن فلسطين وإعادة العلاقات بين الصهيونية والحكومة البريطانية إلى ما كانت عليه ، أما العرب الفلسطينيون فأطلقوا عليه الكتاب الأسود لكونه تجاهل ما ورد في توصيات الكتاب الأبيض ولجنة شو ولجنة سمبسون ، ولم يتجاوز دورهم رد الفعل اللفظي كما هي العادة .


Aucun commentaire