مغرب الاستحقاقات المقبلة في حاجة إلى نخبة جديدة وقوية لتحقيق مغرب العهد الجديد

لقد مر على التعديل الدستوري الأخير بالمغرب أكثر من عشر سنوات، هذا التعديل الذي مهد للانتقال الديمقراطي كما مهد لنوع من المصالحة مع ما كان يسمى حينها بالحركة الوطنية أو المعارضة التي أضاعت مع الدولة على المواطنين أربعة عقود من السجال والمتابعات والإكراهات الاقتصادية ناهيك عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان…
والمؤكد أن المغرب كان في غنى عن كل هذه المتاهات لو انتصرت الحكمة في المصالحة بين قطبي الدولة والحركة الوطنية، ومع ذلك فلا وقت للرجوع إلى الوراء، باعتبار أن التعديل الدستوري مكن من تجسيد أول مصالحة بوصول ما أصبح يصطلح عليه بداية بحكومة التناوب لتصبح لاحقا حكومة التناوب التوافقي، وهي الحكومة التي مهدت بسلاسة فائقة الانتقال من عهد المرحوم الحسن الثاني إلى مغرب العهد الجديد مع جلالة الملك محمد السادس.
وإذا كانت هذه المعطيات توضح أن التعديل الدستوري الأخير قدم خدمات جليلة للمغرب فإنه بالمقابل حان الوقت لتقييم المرحلة وفسح المجال أمام مراجعة الذات للوقوف على التعثرات الموضوعية التي ما فتئت تعرقل الانتقال الديمقراطي الحقيقي، فالأحزاب المغربية في واقع الحال لم تواكب المرحلة، واكتفت أقطاب المعارضة بالجري وراء الحقائب الوزارية وتوزيع الغنيمة الحكومية مما أدى إلى تشتت المشهد السياسي وتفريخ أحزاب جديدة عوض التكتل في أقطاب حزبية قوية، كما أن الأحزاب المنادية بالديمقراطية لم تستطع فسح المجال لانتقالها الديمقراطي الحقيقي مادامت تكرس زعامات مؤبدة وقيادات سياسية هرمة لم تسمح بعد بتكوين جيل جديد من القادة داخلها أو نخبة سياسية تواكب التغيرات.
وإذا كان الانتقال الديمقراطي بالمغرب قد فسح المجال لمد جسور التفاهم بين الدولة أو المؤسسة الملكية وأقطاب الحركة الوطنية فإن الفراغ الذي تركه انتقال المعارضة إلى دواليب الحكم أفرز تيارات جديدة أكدت أن الطبيعة لا تقبل الفراغ كما كشفت موضوعيا فشل الأحزاب الوطنية في تحقيق أهدافها التناوبية في فترة ما بعد حكومة 1998.
وما بين الدولة وأقطاب الحركة الوطنية ضاعت النخبة المكونة للمجتمع المدني، فالانخراط السياسي ظل محتشما رغم المحاولات الحثيثة لاستقطاب الشباب الذي فهم أنه لن يصل إلى مراكز القرار ضمن التشكيلة الهرمية الديكتاتورية لزعامات الأحزاب، ولعل هذه المنحى هو الذي بات يولد انخراطات انتهازية للظفر بالمناصب أو الوظائف، وفي حالات أخرى فسح المجال أمام تفريخ أحزاب معارضة لم تنبثق سوى من رحم المعارضة ومن أحشاء هذه الأحزاب التي لم تستطع أن تستوعب ظرفية المرحلة ودقتها خصوصا مع تنامي ظاهرة الإرهاب وبروز التيارات المتشددة التي باتت تجد لها فضاءات مناسبة في الدول العربية التي أصبحت مصانع لتفريخ الإرهاب…في غياب أي إصلاح ديمقراطي من الداخل.
وما بين البحث عن حقيقة الانتقال الديمقراطي ومكان داخل حلبة المجتمع لازالت النخبة المغربية تجتر نفسها، بين المزايدات الإعلامية والخرجات السياسية غير المحسوبة العواقب ليتضح مرة أخرى أن الظروف الموضوعية للانتقال الديمقراطي في العهد الجديد لم تتحقق بسبب تعثر النخبة السياسية المغربية والثقافية في مواكبة الانتقال السياسي أولا، وفي عدم قدرة الأحزاب السياسية على صناعة مشهد سياسي يواكب الظرفية التاريخية للبلاد ثانيا.
إن المطلوب في الوقت الراهن لتحقيق نجاح الانتقال الديمقراطي والسياسي بالبلاد هو نضج عقلية سياسية وثقافية جديدة تفكر في المستقبل والاستراتيجية الاقتصادية عوض أن تبقى لصيقة مهووسة بالحسابات الماضية، نخبة شابة ومكونة قادرة على عكس طموحات برلمان 2007 وما بعدها وليس نخبة برجع الصدى وانكسارات الماضي وإحباطاته…ولاشك أن فسح المجال لهذه القيادات الشابة كفيل بتجاوز التعثرات ومتابعة القضايا الكبرى المعاصرة، وعلى الأقل لن تسمح بإفلات ناهبي المال العام إن لم تستطع القضاء كليا على معالم الرشوة والزبونية وزواج السلطة بالمال…
لكن الحديث عن هذه النخبة الفاعلة في المجتمع والمتفاعلة معه لا يمكن أن يتجسد دون إرادة سياسية حقيقية للدولة ولأقطاب الحكومة، فالإصلاح لابد أن يبدأ من داخل الأحزاب المغربية قبل أن تفرضه ترسانة قانون الأحزاب الجديد، لأننا في واقع الأمر سنكون أمام مشروع إصلاح مفروض من الخارج على غرار ما يعرف بمشروع الإصلاح العربي أو مشروع الشرق الأوسط الكبير…فهل تفهم الأحزاب والنخبة هذه المعادلة؟.
هذا مانتمنى أن تكشف عنه الاستحقاقات المقبلة.


1 Comment
حين تمتلك الدولة الشجاعة وكذا الأحزاب المتهرئة وتصدر قانون المترشحين وتفرض عليهم مواصفات .. وحينما يتصدى للاميين مزوري الشهادات الابتدائية للوصول إلى رئاسة المجالس ..
حينما يكون على من يترشح للبرلمان أن يكون مجازا ويقبل بذلك عدد من شيوخ البر الأمان الذين لا مستوى لهم سوى الأقدمية المخزية ..
حينما نقبل بالحديث عن النخبة داخل صفوف المثقفين الأسوياء والمفكرين والعلماء .. حينما تصنع مدارسنا رجالا ونساء حينما نتنازل للوطن
حين حين حين ……………..
حين نضحي….
وقتئذ يمكن الحديث عن النخبة ..