الأقاليم الجنوبية للجهة الشرقية مدن صابرة لا تملك غير حروف ثائرة

إننا نعيش حقا في مدن صابرة لا تملك غير حروف ثائرة…
غرائب الجهة الشرقية لا تنتهي، وما تكاد تنطفئ فضيحة حتى تسحب مدينة أخرى خناجر فضيحة أخرى، و ما بين مسيرة عمال مفاحم جرادة نحو الرباط والوقفات الاحتجاجية ببوعرفة تتضح الصورة أكثر في تباين صارخ داخل الجهة الشرقية نفسها… إذ بات واضحا أن مفهوم المغرب النافع والمغرب غير النافع الذي ينطبق على الجهة الشرقية مقارنة مع باقي جهات المملكة أصبح ينعكس حتى على أقاليم الجهة الشرقية فيما بينها، وإذا كانت بعض الأقاليم بالجهة الشرقية تعرف نموا اقتصاديا وتوسعا عمرانيا واستثماريا كمدينتي الناظور وبركان بمشروع فاديسا على تراب السعيدية فإن مدن الجنوب أصبحت تعرف انتكاسة تلو أخرى لدرجة أن عدد سكانها بات في تراجع مستمر وأصبحت مدن الجهة الشرقية الأخرى تعرف تشكيلا جديدا لهجرة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها لا تعدو أن تكون أحزمة للموت..
فالموروث الثقافي لمدن فجيج و بوعرفة وجرادة يكاد يندثر بدعوى المشاكل المتوارثة التي أصبحت مشجبا يعلق عليه كل مسؤول جديد مشاكل هذا الإقليم أو ذاك..
لقد أصبحت مدن بوعرفة وجرادة عبارة عن مدن عبور وضع بها أناس ربما للحفاظ على ديكور معين ومساكن ومتاجر صورية في غياب مشاريع استثمارية حقيقية وغياب أية إرادة حقيقية لتطوير هذه الأقاليم اللهم الزيارات البروتوكولية لهذا الوزير أو ذاك المسؤول .. وما دام أي مسؤول يحل بهذه الجهة يصبح غنيا في ظرف وجيز وتزداد أرصدته البنكية كما هو شأن الموظف الذي ضبط في حسابه البنكي ما لا يقل عن 480 مليون سنتيم وهذا في حساب واحد ويعلم الله كم هي أرصدته في حسابات بنكية أخرى، نفس الشيء يقال على المسؤول الأول عن الإقليم الذي رحل بملايير في حسابه دون حساب أو عقاب بل وحتى في غياب أية محاكمة صورية لناهبي المال العام لأن واقع إقليم بوعرفة وجرادة يفرض من جانب إنساني أولا ووطني ثانيا محاكمة حقيقية لناهبي المال العام بهذه الربوع.. أولئك الذين يشتمون ويسكرون ويتأرجحون باسم الدولة والقانون.
لا أعتقد شخصيا أن عبرة اللاتمركز تكون بتشييد سجن ببوعرفة وربما لاحقا مستشفى للأمراض العقلية، فالدولة في مثل هذه الحالة ليست ملزمة بتوظيف رجال سلطة وأعوان لها بمدن قد لا تتجاوز ساكنتها 65 ألف نسمة كما هو الشأن باقليم فجيج أو كما هو حال مدينة جرادة….
إن ساكنة هذه المدن أضحت مرتبطة بموروث ثقافي معين وبظروف اقتصادية مزرية لدرجة أن مواطن هذه المدن لا يستطيع المكوث في مدن كوجدة والناظور فما بالك بالرباط والبيضاء ومراكش..
مدن هذه الجهة المنكوبة حقا بسلوكات طائشة للمسؤولين المتعاقبين عليها أصبحت تصدر قوارب الموت وتهجر أبنائها لضواحي المدن الأوربية لأن الطبع يغلب التطبع ومن عاش في تالسينت أو بوعنان لا يمكنه أن يعيش سوى في ضواحي بوركوس أو بيلباو وربما ضواحي برشلونة لأنه لن يتأقلم مع صخب هذه المدن كما أنه لن يكون له وقت للتعرف عليها فهو يعمل كعبد من الصباح إلى الليل ببعض فتات الأورو ولا يعرف من الدولة المضيفة ربما غير الضاحية التي يعمل بها والطريق السيار التي توصل إليها…
وبعد عام من المحنة والتهجير القسري قد يعود المواطن بسيارة مرقمة بالخارج إلى مدينته أو جماعته، وحينها فقط قد يجد ذاته فيلهو ويعربد عربدة "وطنية" لا يتذكر بعدها ما قام به ليلا..
وإذا كان هذا صنف المواطن البسيط والعادي فإن مواطنا آخر قد يصبح متطرفا أو رئيسا لخلية إرهابية كما شأن المواطن الذي اعتقل ببوعرفة منذ بضعة شهور وتبين أنه يرأس خلية إرهابية بمونبوليي الفرنسية.
هذه هي نماذج مصانع مدننا المهمشة التي لا زال المسؤولون فيها ينهبون المال العام جهارا ولا زالت ساكنتها تذبح حمارا..
والحالة هاته و ما دمنا سوف نستقبل أحزمة الموت في محيط مدن الجهة التي بدأت تتحرك مؤخرا، لماذا لا نجمع فتات هذه المدن في عمالة واحدة تمتد من وجدة إلى بوعرفة، على الأقل سوف نرشد رواتب موظفين كبار ونقي هذه المدن من بعض الشطط حتى لا تستمر كمدن تحت رحمة الترفاس وكرم الحبار و جود الأفلام السينمائية..
واقع أقاليم هذه الجهة الجنوبية يصرخ في وجه كل مواطن غيور ليقول العبارة المأثورة "إذا رأيت صديقك يحلق رأسه دون ماء.. فما عليك سوى أن تبدأ بغسل رأسك وتستعد" قد يأتي دورك لاحقا ما دام ناهبو المال العام يتسلقون جدارنا ويهددون بقاءنا ويذبحون الوطن من الوريد إلى الوريد بالجراح والحديد….


Aucun commentaire