تاوريرت : الوادي …و الأولياء !

على ضفاف وادي زا، ترقد مدينة صغيرة، إسمها الأمازيغي : تاوريرت. مدينة مهابة، يعتقد بعص الناس فيها أنها تنام هادئة في حضن 44 وليا من أولياء الله الصاحين. مدينة 44 ولي ! شيء لله ! إلتصق الإسم بجبال تحيط بالمدينة هي مزار للتائهين، الحائرين و المرضى و للمتعطشات لزوج يضع حدا لسنوات عنوسة طويلة ! تاوريرت، أو مدينة 44 ولي، تقع في خط السير الرئيس للمسافرين من الشرق نحو باقي جهات المملكة، و تفتح مقاهيها ليلا للمتوقفين منهم لأجل الراحة، الأكل، أو قصاء الحاجة. ثلاث خدمات ”سياحية” في مدينة لا تضع في قواميسها كلمة ”سياحة”. في أحيان كثيرة، يحدث أن تلتقي بشخص لا تعرفه، تحدثه عن تاوريرت فيهمس خاشعا : 44 ولي ! شيء لله ! و لا أحد يعرف، على وجه التحقيق، صحة حكاية الأربع و الأربعين وليا، و لا سعى أحد إلى استقصاء المعتقد الشعبي من منابعه، غير ان الناس تواطئوا على تصديق معتقدهم ليلفوا حياتهم بخيط من الروحانية يشدهم إلى الحياة، و يعطي لها معنى أو ظل معنى : لئن صاقت السبل، و عز المال، فإن بركة الأولياء يعم نفعها اهل البقعة المباركة سكينة و طمأنينة و راحة بال!
روحانية تاوريرت لا تصمد طويلا أمام انسداد الافق هنا، و انفتاحه هناك. حلم الهجرة عنوان كبير لأحلام الشباب. يخيل للمرء أن الأجنة في بطون الأمهات حين يخرجون إلى دنيا الناس – كاحياء جدد- يصرخون كما هو شان كل البشر، ثم ينطقون : باغيين نحرگو لصبنيول ! حيثما وليت وجهك، خلال الصيف خاصة، تلمح سيارات مرقمة بأروبا حتى إن السيارات المرقمة في المغرب تبدو و كأنها سيارات لسواح مغاربة في بلد أروبي..على أنه من السهولة ان يتذكر المرء بانه لا يزال في تاوريرت إذ يكفي أن تلتقط أذناه موسيقى صاخبة منبعثة من جوف سيارة ”غربية” أو تصطدم عيناه بمنظر أكياس بلاستيكية زاحفة على الأرض مثلما حيات حتى يستيقن بأنه لا يزال في جوار المدينة المباركة.
و عدا الصيف، بصخبه و جنونه و بما يقدحه من رغبات الهجرة في نفوس الشباب، تعود تاوريرت إلى نومها الهادئ الوادع .. في حضن الأولياء !
في الظل عاشت هذه المدينة. و كل الذين بحثوا عن موطئ قدم تحت الشمس فروا منها. ما اغنت محبة مجاورة الأولياء في رد من ذهب، و لا شفعت دموع وادي زا المنسابة .. و حين يخفق قلب مغترب شده الحنين إلى مربع الصبا و ملعب الطفولة، تشدو مياه وادي زا بأعذب خرير. في الرباط و البيضاء .. في إسبانيا و فرنسا ..و في غيرهم كثير، سواعد تاوريرت و عقولها تبني و تشيد، و تعود – كل صيف- إلى ذات المدينة، لتجد الامكنة بنفس تفاصيلها : سوق أسبوعي، هو شريان المدينة، و شارع طويل، و جبال مباركة، و نهر عظيم !
مدينة تاوريرت واحدة من مدن الهامش. صغيرة و هادئة. رحل الناس و عادوا، و تاوريرت هي هي .. ترقد هادئة على ضفاف وادي زا، تحلم بفارس يرسم قبلة على جبينها، يهدهدها مثلما طفلة، و يوقظها من سباتها .. فتهب واقفة تبني حاضرا جديرا بتاريخها و بأبنائها.




Aucun commentaire