من تداعيات كتاب الداعية الدكتور فريد الأنصاري(الحلقة الأخيرة )

قبل الشروع في هذه الحلقة أكرر ما قلته سابقا بأن هذه الحلقات لا علاقة لها بنقد كتاب الدكتور الأنصاري ؛ وإنما أوحت لي عبارة جاءت في بداية كتابه بطرق موضوع أعرض عنه هو ؛ وهو علاقة اليسار في الجامعة المغربية بالطلبة الإسلاميين . وأؤكد مرة أخرى بأنني لا أكتب سيرة ذاتية كما اعتقد البعض بل هي شهادة لله وللتاريخ تكشف صورة قاتمة لممارسات جائرة من اليسار الطلابي ضد طلبة مغاربة يتساوون معهم في الوطنية وذنبهم الوحيد هو الرهان على الإسلام كخيار لبناء صرح الأمة .
عرضنا على العدالة وكانت البداية مع استنطاقنا من طرف أحد القضاة لدى المحكمة الابتدائية بمدينة فاس ؛ ولم يتجاوز استنطاقه السؤال عن الاسم والنسب واسم الأب والأم ثم عبارة : هل شاركت في الشغب يوم الخميس أو يوم السبت ؟؟ لقد اختزلت القضية في مجرد شغب عرفته الساحة الجامعية بقدرة قادر. وكلما هم أحد منا بشرح الظروف والملابسات التي صاحبت ما سماه السيد القاضي شغبا من قبيل ذكر الترخيص القانوني الذي حصلنا عليه لإقامة معرض الكتاب الإسلامي ؛ أو من قبيل ذكر ما تعرضنا له من اعتداءات في مقدساتنا وفي أنفسنا في بلد دينه الإسلام …. إلى غير ذلك انتهره القاضي بعنف وأخرس لسانه ؛ ولأول مرة عرفت كيف تستنطق المحاكم المتهمين في بلادنا ؛ فليس لقضاتها الوقت للإنصات والسماع للمتهمين لأنهم يعلمون الغيب ولسان حالهم يقول للمتهمين : اخسئوا فيها ولا تكلمون.
تعاقب على القضية ثلاثة قضاة ؛ وكنا في كل مرة ننقل من سجن عين قادوس على متن شاحنة عسكرية مكبلين بالقيود الحديدية وأمام الشاحنة دراجة نارية تطلق صفات الإنذار فتوحي لمن يرى المشهد بأن القضية فيها خطورة ؛ وقد استغل بعض رجال الأمن الظرف للترويج لبعض الإشاعات لترويعنا منها سقوط ضحايا مما جعلنا ننشغل طوال وقت الاعتقال في التفكير في أقسى العقوبات الممكنة .
وجاء يوم المحاكمة المشهود وغصت قاعة المحكمة بالمحامين واستبشرنا خيرا بهم ولكن سرعان ما خاب ظننا فيهم فقد كانوا جميعا من اليسار البغيض وأطلقوا ألسنتهم وهم يرافعون بتجريحنا واتهامنا حتى قال أحدهم لقد كانت الحكومة حكيمة لما فكرت في استئصال الظلاميين … ؛ وشعرنا لأول مرة باليتم في وطننا حتى تقدم الأستاذ الفاضل الدكتور عبد الكبير المدغري العلوي جزاه الله عنا كل خير وفرج عنه كرب الآخرة وكان محاميا يومئذ قبل أن يصير وزيرا للأوقاف فدافع عنا دفعا مستميتا دون أن يعرض بالطلبة اليساريين كما فعل المحامون اليساريون بنا ؛ وشعرنا لأول مرة بدفء الرحمة من رجل وطني أصيل رد لنا اعتبارنا بعد الذي نالنا من إهانات على يد الشرطة والقضاة والمحامين اليساريين؛ وكل سيتولاه الله بما شاء.
وترددنا على قاعة المحكمة عدة مرات قبل أن نسمع النطق بالحكم وكان عبارة عن مسرحية هزلية محبوكة بشكل مكشوف بحيث أدين ثلاثة من الطلبة الإسلاميين بشهر حبس نافذ وثلاثة طلبة يساريين بشهرين حبس نافذين والباقي حكم عليه بأربعة أشهر مع وقف التنفيذ .
لقد كنا قد قضينا نصف شهر نافذ بين الاحتجاز في مركز الشرطة القضائية والاعتقال في السجن وهي فترة لم تحتسب بطبيعة الحال. وكان المقام بالسجن أحسن منه في الاعتقال عند الشرطة حيث تفضل علينا مديره جزاه الله خيرا بأغطية جديدة دفعت عنا برد الشتاء القارس وأطعمنا من طعام السجن بسخاء ولم يحجب عنا طعام الحي الجامعي ؛ وفعل خيرا إذ فرق بيننا وبين اليساريين وجعلنا في غرفة قريبة من غرفة جماعة الشيخ الزيتوني رحمه الله تعالى ؛ وكانت هذه الجماعة تقضي ليلها ونهارها في الذكر المتواصل وقراءة القرآن ؛ ولمن يكن حال أصحابها يوحي بما كنا نسمعه عنهم من إجرام واستخدام السيوف وإزهاق الأرواح وتعذيب الضحايا… إلى غير ذلك من التهويل الذي جعلهم وحوشا كاسرة . وقد اغتنم أخونا المرحوم عبد القادر خليد رحمه الله تعالى الفرصة في غفلة الحرس أثناء استراحة فالتقى بالشيخ الزيتوني فأعاره جزءا من كتاب إحياء علوم الدين وأوصاه خيرا بالدين ودعا له بخير ونصحه بالصبر على الأذى في سبيل الله . ولم تكن أيضا غرفة الرفاق بعيدة عنا وعن غرفة الشيخ الزيتوني وكانوا يتندرون بمقرئ الشيخ الزيتوني ويصرخون بعبارات التهكم خلال قراءة القرآن كما يفعل جمهور الغناء خلال نشوته.
لقد كانت تجربة السجن بالرغم من قساوتها مفيدة لنا حيث كنا نقوم جزءا من الليل ونستمع إلى آيات الذكر الحكيم يتلوها صوت شجي لأخ فاضل من مدينة طنجة ؛ وهو الذي لم ترهبه تهديدات الشرطة وكان يتلو القرآن بصوته الجميل في الاعتقال عندهم ؛ وكان كلام الله عز وجل بذلك الصوت الجميل يواسينا في محنتنا .فارقنا الإخوة الثلاثة الذين حكم عليهم بالبقاء بعدنا بدموع حارة والتحقنا بالجامعة من جديد لنجد الأوضاع قد تغيرت حيث صودر منا المسجد؛ وازداد حقد اليسار علينا ونقمته. وكنت اقطع المسافة بين السجن يوميا لزيارة الإخوة بعد إعداد الطعام لهم حتى أكملوا مدة حبسهم بينما استفاد الرفاق من عفو صادف ذكرى عيد العرش.
لقد اختزلت كثيرا من الأحداث اختزالا حتى لا يقول قائلهم إنك تكتب سيرة ذاتية .ولن تضيع مني الفرصة دون أن أتذكر دهشتي يوم عاينت وقوف احد الرفاق المناضلين كما كانوا يسمون أنفسهم بعد مرور أيام على حادثة المعرض وكانوا يعقدون اجتماعا لهم إلى جانب رجل أمن من الشرطة القضائية الذين كانوا يحققون معنا؛ وهما في حديث مسترسل وكان قد نبهني إلى ذلك احد الإخوة فعلمت يومها كيف كانت عناصر الشرطة تخترق صفوف المناضلين أو كيف كان المناضلون عبارة عن مخبرين سريين للشرطة مع تبجحهم بالنضال واتهامنا بالرجعية.
ومرت سنوات وزرت الجامعات المغربية فوجدت الظروف قد تغيرت ولم اصدق أول مرة أرى فيها طلبة إسلاميين يقودون الاتحاد الوطني الذي كان شيوعيا احمر حاقدا على دينه وعلى أبناء وطنه لمجرد قولهم باسم الله الرحمان الرجيم ؛ ولا إله إلا الله محمد سول الله عوض لا إله والحياة مادة.


2 Comments
تذكرنا بما فعل اليسار بنا واليسار اليوم بحكمناويحصي علينا أنقاسنا
ما اشبه اليوم بالبارحة يا استاذ.والشكوى لله رب العالمين.وغن موعدهم الصبح اليس الصبح بقريب