Home»Régional»د.محمد بنعمارة: غصن يسقط من شجرة الشرق الأدبية / بقلم الأستاذ: خـلـيـل الـغـول

د.محمد بنعمارة: غصن يسقط من شجرة الشرق الأدبية / بقلم الأستاذ: خـلـيـل الـغـول

0
Shares
PinterestGoogle+

د.محمد بنعمارة: غصن يسقط من شجرة الشرق الأدبية

بقلم الأستاذ: خـلـيـل الـغـول

سقط قلم لم يجف، سقط غصن بأوراقه الكثيفة ، من شجرة غدتها تربة بوريــة، ولا ماء رسمي سقاها.

وجدة الشاعرة, وجدة الأديبة, لن نذكر شعر السبعينات و الثمانينات و التســــعينات وبداية الألفية الحالية, دون ذكــر اســم، و ليس كبــاقي الأســمــاء: د.مـحـمـد بـنـعـمـارة، الـــذي عمرنا شعرا ولم يعمر ما أراده و ما أردناه له.

خرج فقيدنا من الظل و الدفء الإنساني ليعانق حرارة الكلمة و بعدها الدلالي. وجدة الشاعرة، وجدة الأديـبة، وسـمـتها بإبداعاتك أو توقيعاتك، داخل أثير أشعرتنا حدائقه لـمــا يفوق خمسا و عشرين سنة، أرويتها بماء زلال، فكان القطـف المـسـتـرســل، في قـــــوة الدلالة، يتدفق في كل حلقة من حلقاتك. كان رونق النظم، نحـو كـل وجـدان يبــدع للحيـــاة وللإنسان, بأسمى معانيهما. كنت تختار لنا شذرات من هنا و هناك، تخترق سطـح الرتابـة اليومية لتعبر عن تجليات وأحاسيس تداعب الكلمة في أعماقــها، في بســـاطــتهـــــا وفي نشازها، لتخرج من وقائع كاشفا أسرارها، ومترجما لواعجها. قدمت لنا أطباقا تجددت مع كل حصة، عبر برنامج لم يضاهيه ، في زمنه أي برنامج ( ألا تـسـتحـق حـدائــق الـشـعـر- بـامـتـــدادها وتاريخها- أن تدخــــــــل موســـوعة ڭينيس ؟!!).

إن رعاية الكلمة الهادئة، التي تلونت طيفا، لم يكن بدا- أمامها- من جيل صنعته في القسم، أو خارجه إلا ليحب الشعر ويختلس- مأذونا- الإصغاء من المذياع لباقات بنعمارة.

تعلمنا عنك- أحيانا- دون أن تعي بأنك أستاذ لنا، نسرق منك الذوق والنظم و الشجى والقوافي، نطعم بها نفوسنا الصاخبـة وأرواحنا العطشــة. نهمنا لم يشبـع يــوما من ورود حدائقك,.. هي الآن إرث ومرجع للحب، للأخلاق، للإبداع.

لقد أردت من الشعر أن يفيض في فضاءات لا محدودة ليصل لكل المولوعـيـــن بحب الكلمة الصادقة المنتظمة التي تنبع من الحس المرهـف، ومن النظر الذي لا يـتـأتـــى لكــل الأعين والتأمــل الـذي لا تستخلصــه وتنسجــه كل العقــول. كـنـت تعڷــم أن الحيـــاة بدون نظم، إندفاع نحو الغريزة الهوجاء ونزول إلى قعر مراتبها، وإن غرقت في مـلـذاتــــــها و نزواتها.

إن الغنى كما رسمته، هو غنى الذوق، غنى الصفاء والتآخي، غنى الحب لكل ما هــو سام، غنى التنافس نحو القيم النبيلة التي تؤنسـن لعلاقاتـنـا وكينونـتـنــا.

سنحرص بوفاء وبقوانا على كل هذه القـيـم مهما قاومتها الرياح العاتـيـة لـلضـفــــة الأخرى. اطمئن يا فقيدنــا، فالشمس تشرق من الشرق ولن تزيغ عنه. منه انطلقت أشعتـها الدافئة تداعب أحاسيسك و أقلامك. أشعة سطعت داخل حجراتك الدراسية، وفـي منـــابـــر و موائد، ما أكثـرها، وما أبعدها. سطعت في تواضــع علاقـاتــك بين كل الدروب التي كـنـت تصغي فيها لكل آخر ببساطة معارفه وأفق فهمه وكيفما تشكلت مرجعياته, لتحوله إلى ذات قيمية تنهل من إنسانية الإنسان, وتؤسس عــبـرهــا أوراق غصنـك الأدبــي و سيــالا مـــن الكلمات، في دلالات فاقـت حروف كلماتـــها.

كنت قي حجراتك الدراسية تزرع في أجيال حب الأدب بكل ألوانــه، ونحــن في هـفوات شبابنا نزيغ و نتــيه وننـدفع بقوة نحو كل فعـل، و أنت تصمـم بكل جدية مقاسمتك معنـــــــا لذة و فن النظم و حكمة العبارة في أبعادهما وغناهما. لقد جعلت من المقرر الدراسي تربيـة على الذوق، على الحس، على النظر والإصغاء و التأمل، بتشكيل تعددت ألوانه. حببت لنـا ونحن في يناعة عمرنا الشذا في قوالبه المحكمة, وفتحت لأغلبيتنا حسا لم يتسن لآخريــن فتـح مغالقـه. و كان صوتك -عبر الأثير أيضا- يشدنـا كلما فتحت لنا أبواب حديقـــة مــــن حدائقك حيث عبير ريحان الكلمات يتسلل عبر مسام جلودنا حرفا حرفا وكلمة كلمة إلـــــــى أغوار ذواتــنـا ونفوسنا، نستنشق أريجها العطر ونحاول اكتشاف أبعاد الحـس وتجــــــــلي الدلالة. لقد صنعت كلماتـك في وجداننا رفوف مضامين، انصهرت مع لواعجنا وحسراتـنـــا واغتباطاتنا وانفعالاتنا.

حدائقك الشعرية، أصبحت الآن أطــلالا بدون صـوت بنعــمارة وإن هجرها أو دمرهــا فراقك سيـبـقـى صداها خالد الذكر، نستحضره كلما اهتز وجدانـنا نحـوك, وكلـما دعتـــــــها الضرورة, ضرورة المحـب المتيـم والمنتفض والزاهد والمتصوف… لقد وهبتـنا ورودا هي الحياة بعينها، هي باقات من حدائقـك الشعرية، تفوح عطــرا ما أحوجــنا ـ ودومـا ـ إلــى استنشاقه.

وفي ولوجـنا إلى مديـنـتـك"الفاضلة" التي شيدتها و دنا عند بابـهـا شاعرا مسلــــما يتأمل الكون ليتوق الوصول إلى الله. على هاته النبرة الفلسفية أيضا نحا رائد العقلانــيــــة

العربية الفيلسـوف ابن رشـد، و نستحضره للذكرى في بعض مضامين كتابه"فصل المـقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال" حيث يقول׃« فعــل الفلسفــة ليس شيئا أكثـر مــن النظر في الموجودات واعتبارها من جهــة دلالتـها على الصانـع، أعنـي مـن جهـة ما هـــي مصنوعات، فـإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها، وأنه كلماكانت المعرفة

( بصنعتها ) أتم ، كانت المعرفة بالصانع أتم ».

لقد جعلت من النظر في الموجودات أمرا واجبا كطريق الى العقـل، إلى الله، وأنت علـى مقاس هذا الفيلسوف الكبيـر تستـنبـط معـه المجهـول من المعلوم وتستخرجه منه. لقد كنت شاعرا مسلما – كما حدده اعترافك وسلوكـك – سكنت كلماته ذاته التي لم تنفلت ولم تبتعد عن هذا التأمل، استجابة لقوله تعالى ׃« يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريــم، الذي خلقـك فسواك فـعــدلـك في أي صورة ما شاء ركبك. » ذاتك إذن قطب وجودك ورحاه وكتابة الــدم الذي أعطــاهــا الحياة في تواصل ألهمتك أداته وكأنها-(اللغة)- أنثــى تنبثــق وترحل بيــــن نار و نور ووراءها سرب طيور أعداده و أشكاله وألوانه تعبر فضاء نحو واقع لا شر فيـه.

هي، بالطبع مدينة افترضتها، مدينة التواصل و الصفاء و الخيـر الأبـدي. مـديـنـــــــة جسدها طباعك واقعيا مع أبناء حيك، مع أصدقائك، مع بائع الدجاج والجزار و الإسـكـافـــي والمثقف وغيرهم، بتقدير وشعبية سامية.

… أتاك الداء وأنت في قمة العطاء. ولم يكن بدّا من طموح لديك إلا العلاج. وأي عـــــلاج، وبأية فاتورة. تحسرنا آنذاك، وكان النداء..! ولمن النداء. و وضع ملفك الطبي على مكاتب وزارة المثقفين، والوزارة تدير ظهرها ،.. فـيـا عـجـبـا حـيـن«" يــحــكـــم الشـعـراء"» !! ولا واحد من هذه المؤسسة تجرأ ولو بحمل الهاتف ليواسي أو يسأل؟!. في نفس الـفـتـــرة تفضل الوزارة التعاطي مع آخرين وإرسالهم إلى الديار الأوروپـية لتلقي العـلاج، وبـــعـــد عافيتهــــم تسند لبعضهم مباشرة مناصب كما وقع في إسپانيا. وبعــد إدراك الفـــقـيـد لهــــــذه الإمتيازات المخولة للبعض دون غيرهم ، ازدادت خيبة أمله في صحته ليقول وهو طريــــــح الفراش في حسرة وانهيار ׃« اكتشفت أن المثقف في بلدنا على نوعين׃ مثقف رسمـــــي و مثقف شعبي، خارج مدارهم واهتمامهم!! .. سامحهم الله، ولنا الله..»

لم يكن النداء إذن إلا لأقاربه الشرفاء وزملاء الإبداع الهادف و الحقيقي ومحبي شخصيته في طيبوبتها و عطاءاتها.

فها هو الدكتور محمد المعزوز، و الفقيد يحتضر يطلعنا في مقال له على بعض السيرورات الودية من تاريخية الفقيد، تعود به إلى لحظات معبرة لا توسم إلا للقلائل. وحســــــــرات الدكتور المعزوز تتلفظ تارة و تختنق أخرى، في حميميـات مـع المرحــــوم بمقهـــى بـــاب الغربي، في جلســات هادئــة وفاعلة من حيث رشــها أدبــا بإبداع شعري، قصصي، روائي ومسرحي… وكم كان ينشرح في استحضار ذكريات مدينة وجدة في بساطتهـــاوشعبيتهــــا وصفائها، كبعض الجلسـات الشعبيـة بجــوار نافــورة وجدة اليابسة أو "البحر" كما يحلو لبعض الساكنة تسميتها.هنا كان يحصل تامل في قلب مدينة وجدة في حركتها وطبقاتها.

و في زيارة له ببيته هناك صورة رائعة له يصافح فيها الشهيد صدام حسين، وبعد نظـــرة عميقة إليها، يجدد أنفاسه ويقول ׃« الرجال يموتـون.. يموتـون، والحثــالات يسخــــــرون منهم.» لقد ظل يقدر عظماء وطنه الكبير، بل وعظمـــــاء التاريــخ الإنســــاني باخــتــلاف مرجعياتهم وأجناسهم و لغاتهم ودياناتهم وثقــافــاتـهــم… ظــل يحب انســانـيــة الانســــان في بساطتها وعظمتها مكسرا كل الحدود الجغرافية والعرقية والثقافية …

وظل اخوانه في الابداع، منشغلين بوضعيته وكانوا على عكس قول الشاعر كثيرين في النائبــات.وعلى سبيل الذكر ولا الحصر ، فرغم انشغالات الدكتور محمــد المعــزوز وبعــد المسافة يصر على عيادة أخيه ومرافقته إلـــى المطار، حين تقرر ذهابه إلى فرنسا للعلاج، لعل القدر يمشـي في الاتجـاه المعكـوس. وقبـــــــل صعوده الطائرة، تنهمر الدموع من هما معا، ويقول الفقيد، متوجها نحو الدكتور المعــزوز׃ «ديواني الأخير، جاهز بين يدي ابني لطفي، يشرفني كثيرا أن تفتتحه بإسمك. أشد علــــى يديك وإلى…!! » وتنهار الدموع ثانية..وتقلع الطائرة في بحث عن امل مفقود. وما اكـــــثر الاسماء الفاضلة التي التصقت بوضعيته منذ ان بدا الداء ينخر جسده الى آن اختطفته يــــد المنون.فهنيئا لهذا الجســـــــد المتعاضد محليا ووطنيــا .

و بعد أيام من الرحيل الأول يعود الفقيد إلى بيته في عد تنازلي.. إلى أن دقت لحظــــــــــة الفراق و الوداع، نحو الرحيل الثاني !

لم نجرؤ علىتقبل قساوة القدر ، اتت الفاجعة ،اتت النكبة ، سقط غصــن مــن شـــجــرة الشرق الأدبية ، سقط من اعلى ،على سطح ارض بورية صلبة ، وطنـيــن الوقــــع يهـــز بقــوة آذاننــــا. ويستوقفني هنا قول الشاعر:

وتـركــك في الــدنـيــا دويــا كـأنــما تــداول سـمـع الـمـرء أنـمـلـه العشــــــر

رحل بنعمارة وخفقــات قلوبنا تلـتـطـم بأنفاسنـا . غـادرنا السي محمــد عــن قســر, ولـم نجد سبيلا الا حسـرات ودمــوع دارفة وصـلاة ومرافـقـة الجـثمـان الـى حيث لم نـرد.. وجدة الشاعرية تحسرت في صمت رهيب، تحسرت على شاعرها الذي لا يذكـــــر فضــــاء شعري لها بدونه. فالشعـر هنا سيتلفظ لا محـال بحدائق بنعمارة، بعطاءاته وقوام شخصيته تقديرا لروحه الطاهرة.

لقد أحب فقيدنا بلدته، أحب أهلها، أحب طبيعتها ومخيالــهـــا، وانصهــر في تقــالــيــدها واعرافها. أحب الحياة وجعل منــــــــها حدائق شعرية في وجـه وردي وقـيـم نـبـيـلــــــة هـادفــة، انـتـفـضـت بـهـدوء لـتـنـاجي و تـــعــشــق و تتصوب نحو الخير الأسمى، نحـو الفضيلة،، نحو جنة الرضوان …

لقد وصلت إلى الله مرتين:الأولى عبر صوفياتك وتأملاتك في الكون التي لم تنقـطـــع أبدا ، و الثانية في هاته الهجرة السرمدية، تاركا فيها هذا الوجود وما يمتلكه.

إليك الرحمــات، و إلى أحبـــــائك الذين قاسمــوك آلامـــك، و أفجعهم رحيلك الصــبر و السلوان و المواساة القلبية . فالعزاء واحد و المصاب واحد، وفقيدنا وحيد بخصالــه و عــشــقــه و إبداعه و صوفياته و صلواته.

فكلماتنا كلما سبحت في فيافي هذا الوجود إلا و استحضرنا أستاذيتك عن قرب و عــن بعد ، في إستيهاماتنا ،في وقائعنا ، وبكل جوارحنــا.

نم مطمئنا، فقد سكنت قلوبنا، قبل أن تسكن قبرك. رحمك الله. إنا لله وإنــــــــــــا إلـيه راجعـون.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

2 Comments

  1. عمر حيمري
    09/06/2007 at 13:21

    أخي خليل لقد حاولت ان تخقي الولعة والحصرةالتي تشعر بها على فقيدنا بنعكارة .ولكن كل ماكتبته كان ينفجر تلميحا وتصريحا فاضحا ما تخفيه سريرتك وشعورك الباطني من لوعة وحزن على الفقيد أخي الكريم الموت حق وقضء وقدر ولا راد لحكم الله .ولكن الذي يحز في النقس هو التنكر لمن تفانى في خدمة هذه الأمة ولم يقز حتى بكلمة تأبين من من كان يعتقد أنهم إخوانا له فتح لهم داره وقاسمهم أكله وفراشف وتبادل معهم الحلو والمر وكم أفشى لهم أسراره …ولكنهم قابلوا الإحسان بالسوء والنعمة بالجحود وتركوا الجريح يصارع الموت وحده ليتهم ساعدواه على معانقة الموت فالموت لم يكن يخيفه لأنه لم يكن جبانا مثلهم …

  2. الطالبي عبد الرحمن .الرباط
    14/07/2007 at 16:32

    تحية اخوية شاعرية . اخي كاتب المقال ،لقد استوقفني مقالك كثيرا ،بل قراته على الاقل ثلاث مرات .فشهاداتك واعترافاتك كانت بحق نابعة من وجدان وعاطفة مرهفين ، بل ان مضامينك وباسلوبها الدي كنت متفوقا جدا فيه ، تكوب وضعت هدا الرجل العظيم في مرتبته ومكانته . وعبرت عن فاجعتنا جميعا . فالاستتاد بنعمارة ـ جزء من وجداننا جميعا . وللمنطقة الشرقية كامل الحق في ان تفتخر بمثل هده الاقلام الجادة ، والتي بلغ صداها خارج الوطن ،بل خارج الوطن العربي . رحم الله فقيدنا جميعا . وتعازينا لعالته واصدقائه ولاتحاد كتاب المغرب فرعيا ووطنيا ، بل للمنطقة الشرقية جمعاء . واجدد التقدير للاخ خليل الغول صاحب المقال .

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *