هل من مجيب نداء نملة عيون الشرق سيدي ملوك ؟؟؟

لفت انتباهي نداء استغاثة كريم وجريء من أخ محترم كريم هو السيد البشير شرعي ابن قرية عيون الشرق سيدي ملوك ونملتها الصارخة ، وهو نداء يشكو ظلم التهميش الذي صار قدر هذا الربع من المغرب المحروس برعاية الملك القدوس جل جلاله ، وهو نداء استغاثة موجه لمن يهمهم أمر تدبير شأن هذا البلد مركزيا وجهويا ومحليا . ولكوني أعتز بالانتماء إلى هذه القرية المباركة وهي مسقط رأسي ، ومرعى طفولتي قبل أن أغادرها مكرها كما غادرها كل أبنائها وما أكثرهم طلبا للعلم أو للقوت بسبب قدر التهميش المشؤوم الذي كتب عليها فإنني بدوري مجبر على رفع نفس النداء ضاما صوتي لصوت ابنها البار السيد البشير شرعي الذي أدى واجب الابن البار بقريته .
وأفضل أن أسميها قرية ولا يضيرها ذلك وقد سمى الله عز وجل في محكم التنزيل أشرف مكان في الدنيا قرية وأم القرى ، كما سميت المدينة المنورة يثرب قرية الأنصار ، و سميت مكة المكرمة والطائف قريتين . والقرية بفتح القاف وكسرها أو القارية في اللغة العربية هي المكان أو المصر أو مجتمع البيوت الجامع الحافل بالناس.ويسمى جمع النمل قرية النمل. وإلى جانب الدلالة على التجمع لا تعدم دلالات أخرى لهذه المادة اللغوية إذ تدل قرى يقري قريا على الجمع والضم ، وقرى يقري قرى على الضيافة ، وقرا يقرو قروا على القصد. المهم أن قريتي عيون الشرق سيدي ملوك عبارة عن مجتمع بيوت حافلة بالناس ولاشيء غير ذلك لهذا فهي متواضعة لله تعالى لا تتجاسر على حمل لقب المدينة إذ المدينة يشترط فيها التمدن ، والتمدن هو الانتقال من البداوة إلى الحضارة حتى لا أقول من الهمجية إلى الأنس كما يعرف أهل التخصص التمدن . وللحضارة ثمن لا تملكه قرية عيون الشرق سيدي ملوك بعدما زحفت الحضارة على ربوع كانت مجرد بواد يوم كانت عيون الشرق قرية اختارها أعظم ملوك العلويين ليبني فيها قصبة تدل على عظيم سلطانه في شرق مملكة مترامية الأطراف ، وهو الملك الذي كان يستدعي سفراء القارة الأوربية ليوبخهم توبيخ العزيز القادر القهار. وقريتي المتواضعة لله تعالى أهلها سواء القاري منهم أو البادي أهل أنس يجدر بهم أن يوصفوا بالتمدن ، وقد ضربوا أروع الأمثلة في الأنس ماضيا إذا ساكن بربرها على اختلاف أعراقهم عربها على اختلاف أنسابهم ، وعرفوا للنسب الشريف قدره فقدروه ، وللعلم فضله ففضلوه ، ولم يضيقوا حتى بأهل الكتاب من اليهود فآووهم قرونا طويلة حتى غدر أهل الكتاب بهم وبقضيتهم القومية عقب حرب 1967 فرحلوا إلى فلسطين المغتصبة ليردوا الجميل نكرانا .
تجمع الناس في هذا الربع تجمعا حميما لم يلق بالا لهندسة أو معمار يوم كان الاهتمام بالعلاقات الإنسانية الحميمة قبل الاحتفال بالهندسة المعمارية . هذه القرية اختار لها من سماها أجمل الأسماء إذ لا يوجد أجمل من العيون سواء كانت جوارح أو منابع ماء ، وحسبها شرفا أن الله عز وجل جعل العيون أجمل ما في جنته . ومنذ رحيل المحتل البغيض عنها ظلت كما كانت من حيث بنيتها التحتية ، وهي بنية عبارة عن دور مكدسة في أحياء فقيرة بدون هندسة ولا حتى صرف صحي إذ لا زالت المجاري سطحية في العديد من هذه الأحياء مقابل بنايات متهاوية خلفها المحتل وهي شاهدة على شراسته ، إلى جانب قصبة عظيم ملوك العلويين التي أصابها ما لم يصب أهرام مصر الضاربة في أعماق التاريخ . ولا زالت قرية العيون بشارعها الرئيسي كما خلفها المحتل ، وهو عبارة عن شارع من دكاكين بسيطة ينتهي عند بوابة القصبة المتهاوية ، وعند سوق انتقلت من صبغة الاحتلال إلى أسوأ حال . وبجوار الشارع الرئيسي عن اليمين وعن الشمال ما يعرف بالعامية بالسويقات التي تسد مسد السوق الأسبوعية الموجودة في خارج القرية وقد تخطت إحدى المقبرات التي كانت خارج مدار القرية . وقد حاولت بعض التجزيئات المستحدثة في القرية مراعاة بعض المعايير المعمارية و الهندسية إلا أن العشوائية ظلت الصبغة المهيمنة على مجمل القرية . وقرية عيون الشرق ككل القرى التي تؤكل غلتها وترمى بالنوى ذلك أن هذه القرية المعطاء أخرجت أرضها أثقالها من خيرات الإسمنت ولم يقل أحد من المسؤولين ما لها ؟ ، مع أن حالها حدث بأخبارها . فقرية سيدي ملوك كقرية جرادة وسيدي بوبكر وغيرها أخذت ثرواتها ليكون جزاؤها أن تصير قمامة أو أقل من القمامة. لقد انتشر غبار الإسمنت في كل أراضيها الفلاحية مما زاد هذه الأراضي قحطا إلى جانب القحط الطبيعي المتميز بشح الأمطار، ولم يفكر مستغلو ثروة إسمنتها من أبناء الجلدة ، ولا من مبدلي الجلدة ، ولا من المقامرين الأجانب و مصاصي الدماء بأبخس الأثمان تعويض القرية في ثروتها المبخوسة والمهدورة ولا في كارثتها الطبيعية بسبب غبار الإسمنت الشبيه بغبار المواد المشعة . وكان حري بثروة قرية سيدي ملوك الإسمنتية أن تجعلها ولاية الشرق الكبري بناطحات سحاب من إسمنتها تطل على القارة الأوربية عوض أن تكون مساكن أهلها في قعر من طين ، ولا حق لقصبة أعظم السلاطين في إسمنتها وقد أفنها البلى ، ولو قدر للسلطان مولاي إسماعيل تغمده الله بواسع رحمته أن يرى إسمنتها تستغله شركات بلاد الغرب لاستدعى سفراءها ليلقنهم دروسا يعرفونها جيدا عن طريق أسلافهم .
مصير قرية عيون الشرق صنعته السياسة السوقية التي هي مجرد نعرات قبلية يؤجج نارها سماسرة بعض الأحزاب التي تقامر بالسياسة من أجل الكسب المادي . فدرجة حرارة الحزبوية في هذه القرية البائسة أثناء الاستحقاقات الانتخابية عبر عقود فوق كل تصور. ولم تفلح الحزبوية في تفكيك عرى القرابات وتمزيق لحمتها كما أفلحت في قرية سيدي ملوك. و تسجل أثمان الأصوات فيها خلال الاستحقاقات الانتخابية أدنى الأسعار إذ لا تتعدى في بعض الأحيان قالب سكر وعلبة شاي ،ويتبخر الصوت بمجرد أن يحتسى براد الشاي. قريتي البائسة في حاجة ماسة إلى دفن ماضي الحزبوية ، ومشكلتها بشرية ،والمشكلة البشرية رهينة بتغيير العقليات وإخراجها من إطار النعرات القبلية عن طريق تقديم الكفاءات على الولاءات . وقريتي البائسة لا بد أن تتحول ونحن على أبواب تجربة الجهوية الموسعة إلى ورش تنموي كبير من ورائه تخطيط رشيد ، وهندسة القرن الواحد والعشرين . قصبة السلطان العظيم يجب أن ترمم الترميم الصحيح اللائق الذي يجعل عمرها يفوق عمر الأهرام ، ولا بد أن تخلى من داخلها بعد أن تعاد لها معالمها الأثرية الإسماعيلية لتصير معلمة سياحية تدر الدخل لقرية سيدي ملوك كما هو حال المآثر الإسلامية في بلاد الأندلس. شارعها الرئيسي لا بد أن يتحول من مجرد دكاكين إلى مرافق على رأسها مقر العمالة ولماذا ليس الولاية ؟ وكل المرافق الرسمية ، و مقر سوقها الأسبوعي السابق لا بد أن يكون مقر سوق ممتازة . ودور أحيائها العشوائية وبدون هندسة لا بد أن تعاد من جديد بهندسة إدريسية أومرابطية أو موحدية أو سعدية أو وطاسية أو علوية ، والقرية قد عرفت كل هذه الحضارات . ولا زالت الجدات فيها إلى يومنا هذا تقص على الحفدة لتنويمهم حكايات كنوز قرية سيدي ملوك في تلك العهود ، وصغار قرية سيدي ملوك لا ينامون على أفلام الكرتون بل على أحاجي الكنوز لأن قريتهم قرية الكنوز ماديا وبشريا .
قريتي البائسة تعاني التهميش خيرها يعود على غيرها ،وشر غيرها مسلط عليها. وإلى ابنها البار السيد الفاضل البشير شرعي ، واسمه له دلالات فهو يبشر بمستقبل زاهر لهذه القرية من خلال هذا النداء الكريم ، وهو يذكر بشرعية مطالبها ، وشأنه شأن النملة التي صرخت في قومها بواد النمل تحذرهم من خطر جيش سليمان عليه السلام ، فهل سيتبسم المسؤولون ضاحكين كضحكة نبي الله سليمان الحكيمة من قول نملة قرية سيدي ملوك البشرية أم أنهم سيبتسمون ضاحكين ضحكة سخرية واستهزاء لا يرون في قرية سيدي ملوك سوى مجرد منجم إسمنت به تشاد ناطحات السحاب هنا وهناك لتشرف ساخرة من قرية منجم الإسمنت ؟ ولسان حالها : « اقضي حاجتي وألعن جارتي « .


Aucun commentaire