Home»Régional»وقفة واجزة مع الوجيز في تفسير آي الكتاب العزيز لفضيلة العلامة الأستاذ الدكتور مصطفى بن حمزة

وقفة واجزة مع الوجيز في تفسير آي الكتاب العزيز لفضيلة العلامة الأستاذ الدكتور مصطفى بن حمزة

0
Shares
PinterestGoogle+

حررت فيما ما مضى مقالا أخبرت فيه بصدور الوجيز في تفسير آي الكتاب العزيز لفضيلة العلامة الأستاذ الدكتور مصطفى بن حمزة ، واليوم سأقف وقفة واجزة مع هذا الوجيز الذي تناول أربعة أحزاب من القرآن الكريم من الحزب السادس والعشرين إلى الحزب الثلاثين ، ويشمل جزءا من سورة الرعد ، وسورة إبراهيم بكاملها. وما يعنيني في هذه الوقفة هو طريقة العلامة في التفسير من خلال هذا الوجيز علما بأن له طرقا أخرى كما هو شأن تفسيره خلال درسه الأسبوعي بمسجد الأمة. وأول ما أقف عليه هو الإشارة إلى أن هذا الوجيز من المرجح أنه أعد للبث الإذاعي أو التلفزي على غرار تفسير العلامة المرحوم الشيخ المكي الناصري الذي بث ولعله لا زال على أمواج الإذاعة الوطنية لعقود ، وهو تفسير وجيز أيضا وله قيمته العلمية . والمؤشر على ترجيحي أن وجيز الأستاذ مصطفى بن حمزة أعد للبث قوله في مقدمة كل ثمن من أثمان الأحزاب الأربعة :  » في هذه الحصة أتناول كذا وكذا ….  » وتغطي الحصة الواحدة المخصصة لثمن من القرآن الكريم ما بين أربع صفحات ونصف ، إلى عشر صفحات كاملة ، وتستغرق من الوقت قراءة أو بثا إذاعيا حوالي دقيقتين للصفحة الواحدة .

و أ قصر متن من هذا التفسير يتطلب تسع دقائق ، بينما أطول متن يتطلب عشرين دقية . ومتوسط القراءة أو البث لكل ثمن هو خمس عشرة دقيقة ، مما يعني أن الوجيز برمته يقرأ أو يبث خلال عشر ساعات كاملة . وبهذا التقدير يمكن أن يقدم وجيز للمتن القرآني كاملا في ستة ألآف صفحة يتطلب من الوقت قراءة أو بثا مائة وخمسين ساعة أي ستة أيام متواصلة وست ساعات . ويتناول الوجيز أربعة أحزاب من الحزب السادس والعشرين إلى الحزب الثلاثين .

وأنا سأقتصر في وقفتي على الحزب السادس والعشرين كنموذج لتبين منهجية هذا التفسير من وجهة نظر مجرد قارىء متواضع ، لا من وجهة نظر المفسر نفسه كما أوجزها في مقدمة وجيزه.
ينطلق مفسر الوجيز في كل ثمن من تحديد المتن القرآني المستهدف بداية ونهاية ، فيسرد آياتهما ، ويستهل التفسير بتناول قضايا الثمن مع حرصه على المحافظة على الخيط الواصل بين كل قضايا الأثمان ، و الأحزاب و السور أيضا لأن نظرته يمكن تسميتها بالنظرة البانورامية الباحثة عن تيمة تكون بؤرة أوجوهرا أو أصلا دون التيه في تفاصيل ما يحيط بها. ولما كان المتن المستهدف في الوجيز هو من القرآن المكي المتمحض لترسيخ العقيدة فقد يقف المفسر وقفة إشارة عند ما يتخلله من قرآني مدني يتمحض للتشريع. واللافت للنظر في هذا الوجيز هو إعداده بطريقة تراعي ظروف العصر بطروحاته العلمية والفكرية والثقافية خلاف التفاسير المألوفة المتوارثة ، وهذه قيمة الوجيز المضافة كما يقال. ومما يميز الوجيز أيضا حرصه على أسر المتلقي بمنطق قوي الحجة مفاده أن المتن القرآني عبارة عن ثابت يواكب كل المتحولات في كل عصر ومصر. ومن صفات المفسر العلمية عدم تجاوز التفسير التراثي مع إجادة استعماله والاستشهاد به في الوضع المناسب وعند اقتضاء الضرورة ذلك. وهو يستعرض بين يدي تفسيره آراء قدماء العلماء من مفسرين ولغويين وغيرهم دون انتصار لرأي على حساب آخر .

ويحرص مفسر الوجيز على تبني منهج القرآن الكريم في الإقناع بقوة الحجة والبرهان ، وهو يستطيع ببراعة أن يحل إشكالات ما يمكن أن يفهم أو يفسر على أنه تعارض بين آي الذكر الحكيم. وهو حريص على وحدة موضوع المتن المستهدف للتفسير ، مثيرا الانتباه إلى المتكرر من صيغ القرآن الكريم مركزا على دلالاتها دون أن تضيع منه وحدة الموضوع أو القضية. وينبه القارىء أو المستمع إلى الإشارات القرآنية اللطيفة التي تستهدف بعض المقاصد المعينة . ومما يميز الوجيز الوقفات اللغوية والاصطلاحية المهمة في حد ذاتها ، كما أنه يسرد اللقطات التاريخية على طريقة القرآن إيجازا وإجمالا. ومما استرعى انتباهي منهج المفسر في لفت الأنظار إلى ما يمكن أن يكون أصولا لتصحيح مسارات بعض العلوم الإنسانية على غرار ما جاء في هذا الحزب المستهدف بخصوص إشكالية تربوية تطرحها علوم التربية الحديثة التي تنكر أساليب الترهيب ، وحجته في ذلك أن الخالق سبحانه أدرى بطبيعة خلقه ، وأقدر على تربيتهم ، وأعلم بدور الترهيب في تربيتهم . وقد يكون هذا أصلا لفلسفة تربوية تعتمد الترهيب أسلوبا ناجعا في تحقيق الهدف المتوخى منها عكس غيرها من الفلسفات التربوية المتنكرة لهذا الأسلوب . ويتضمن تفسير الحزب السادس والعشرين رصيدا مهما من المصطلح القرآني أذكر منه على سبيل الذكر لا الحصر :  » الألباب / الخشية / الصبر/ الذكر / الربوبية / الرحمة / القدرة / الجنة / الأجل / الكتاب / القيامة / الأصنام / الأوثان / الفؤاد / الحمد / الشكر / الظلم / المكر/ البلاغ ….  » .

ويتضمن تفسير هذا الحزب ذكر عدد معتبر من الأعلام بدءا بأسماء الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وعلى رأسهم اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم نوح وهود وشعيب وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإسحق . وإلى جانب أسماء الرسل الكرام نجد أسماء السلف الصالح من صحابة وفقهاء علماء فضلا عن أسماء من كانوا قبل البعثة ، وأذكر منهم :  » عمر / أبو موسى الأشعري / ابن عباس / مالك / أحمد / إسحاق/ مجاهد / سفيان الثوري / ابن جرير/ أبو عبيدة / الخليل / سيبويه / البقاعي / ابن عطية / ابن عربي / الرازي / الراغب الأصفهاني / أبو حيان / الشعبي / ثعلب / الزمحشري / ابن عطية / السمين الحلبي / ابن سيد الناس / ميمون بن مهران / أبو عمرو بن العلاء / الضحاك / الفراء / الفيروزآبادي / زيد بن عمرو بن نفيل / عدي بن زيد / عثمان بن الحويرث/ عبد الله بن جحش / عبد المطلب / قس بن ساعدة / أمية بن أبي الصلت / لبيد / قصي بن كلاب …. » وأشار المفسر إلى مصادر اعتمدها وأذكر منها :  » عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ / تفسير الطبري / تفسير الرازي/ مجاز القرآن / بصائر ذوي التمييز / نظم الدرر / أحكام القرآن / منح المدح / البحر المحيط / مجاز القرآن  » والذي يعنيني من ذكر هذه الأعلام، وهذه المصادر الإشارة إلى منهجية المفسر في التفسير الذي لا يغفل عن اعتماد المصادر كأسلوب يدعم التفسير ويصون مصداقيته من خلال اعتماد مصادر ذات صدقية علمية .

ولما كان الأصل في هذا التفسير البث الإذاعي على ما أعتقد لم تعرف هوامشه إشارات إلى هذه المصادر كما هو متعارف عليه في التأليف ، وكـأني بهذا الوجيز تم تفريغه من المنطوق إلى المكتوب مباشرة . وتناول هذا الوجيز أسماء أمم وأماكن ولغات أذكر منها :  » العرب / اليونان / الهنود / الصينيون / طسم /جديس / عاد / ثمود / السريالية / العبرانية / التوراة / الإنجيل/ مكة / العراق / الشام / فلسطين / حبرون / الخليل …. » وهي عبارة عن إشارات إلى التاريخ القديم ، و هو أسلوب من أساليب هذا التفسير. وبقي أن أشير في هذه الوقفة إلى أن تفسير متن الحزب السادس والعشرين يبدأ بصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وينتهي بدعوة أولي الألباب إلى التفكر فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . وما بين البداية والنهاية قضية محورية هي قضية التوحيد عبر محطات تناولت تناغم عقيدة التوحيد مع العلم ، والتباس عقيدة الشرك بالجهل . والحديث عن العقيدتين المتضاربتين جر أحاديث عن أوصاف أصحابهما في عاجل الدنيا وآجل الآخرة ، مع وصف الصراع بينهم مما اقتضى سرد الحوار الذي غطى هذا الصراع عبر العصور التاريخية ، واستعراض حجج كل فئة مع تدخل القرآن لدحض حجج عقيدة الكفر ، و إفحام أصحابها ، وإقناعهم بحجج عقيدة الإيمان عن طريق ذكر قدرة الخالق سبحانه في خلق الكون وتدبيره .

والحديث عن الصراع بين الفئتين أفضى إلى الحديث عن المصير في الآجل لكل فئة . وما بين بداية الحزب ونهايته قصة صراع مرير بين الحق والباطل والعدل والظلم ، وتبدو تيمة التوحيد هي المهيمنة وهي المحور ، وهو توحيد تشهد عليه دقة الخلق الدالة على عظمة الخالق سبحانه ، وخلال الحزب برمته دعوة للعقول للتفكر في فكرة التوحيد من أجل الانضباط وفق مقتضاياتها . ويبقى أن أقول أن الوجيز نفحة من عبقرية ، تبرهن على أن العلامة الأستاذ الدكتور مصطفى بن حمزة نجح وبذكاء متميز في إمداد المثقف المسلم المعاصر بطريقة تناسب ثقافته وعصره للتعامل مع كتاب الله عز وجل ، وهو مثقف قد لا يرتاح إلى التفاسير المسهبة . وليس من قبيل الصدفة أن يختار المفسر لتفسيره عنوان الوجيز ، وما الوجيز إلا الخفيف المقتصر أو القصير السريع الوصول إلى الفهم ، وما أحوج المثقف المسلم اليوم إلى أقصر وأوجز الطرق لفهم كتاب الله عز وجل من أجل خوض غمار حياة سريعة الوتيرة في كل الآفاق ، وغير مضمونة النجاح لتعقيداتها ، فجزاه الله عز وجل كل خير عن جهوده الجبارة في خدمة هذا الدين ، وأمد في عمره ليكمل ما يطمح إليه من إنجازات لصالح هذا الدين ، وجعله خير قدوة لمن يرغب في إعلاء كلمة الله في هذا البلد الأمين وسائر بلاد المسلمين .

واستسمحه عن هذه الوقفة الواجزة ، وأرجو أن يصفح عن كل زلة بدرت مني فيها ، وقد عودني الصفح الجميل على ما كان مني من زلات خلت لسعة صدره ، وكريم خلقه مما زادني حبا له في الله وتعلقا ، واحتراما وتقديرا .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *