وجدة المدينة الألفية تشكو الظلام وقلّة همّة الكثير من المسؤولين..

رسبريس
أربعة أشهر مرت كأنها أربعة عقود على ذلك اليوم التاريخي الذي تجرّأ فيه والي الجهة على نعت مدينة وجدة بما يشبه التشخيص السريري الدقيق: “مدينة مظلمة”. لم يكن الرجل وقتها سوى طبيباً نبهاً أطلق تشخيصه بلا خوف من “التحسّس”، ولا درى المسكين أنه بفعلته هذه سيخلّد اسمه في سجلات “الأمن والنور” كأكثر من وصف الداء دون أن يملك دواءه. ذهب الوالي لهبيل وجاء والٍ جديد، كأنما نبدل لمبة كهربائية محترقة بأخرى أقدم منها، فلم نرَ من التغيير سوى “زحزحة الكرسي”، بينما بقيت أحياء وجدة الرئيسية تغرق في ظلام دامس، كأنها تدخل في امتحان سنوي لأعتى مشهد من أفلام الرعب المغربية.
وماذا عن “المشروع النموذجي” الذي كان من المفترض أن يمنح المدينة ولادة جديدة من رحم الأسلاك والكشافات؟ طوىته الإشكالات الإدارية والمساطر البيروقراطية في أدراجها، فتحوّلت “نقلة نوعية” إلى هفوة صارخة: أُزيلت التجهيزات القديمة بحماسة منقطع النظير، وكأننا نخلع أسناننا قبل أن نجهز أطقمًا جديدة، فصرنا نرى أعمدةً صماء ترفع ذراعيها إلى السماء كمتسولين يطلبون من الله نورًا. المشروع تعاقدياً يتهافت على خط النهاية، والشركة المنفذة ربما تستعد لدفع غرامات التأخير أو تردد: “احنا ما قصّرنا، ولكن العقدة في اللي فوق”، في إشارة واضحة إلى “غرفة العمليات” الإدارية التي حوّلت مشروع النور إلى لغز محيّر.
نعم، الوالي الجديد الذي لعن الظلام دون أن يشعل ولو شمعة، و الإدارة بقيت كما هي دون أن تحرّك ساكنا، في توافق عجيب مع سواد الليل. وكأن المشكلة ليست في من يجلس على الكرسي، بل في الكرسي نفسه الذي يبدو أنه ينام بعمق كلما تعلق الأمر بوجدة. وإذا كان البعض قد ظن أن “التغيير” سيحدث بأمر إلهي، فإن الأيام أثبتت أن الملفات تنتقل من مكتب إلى آخر كالميراث الثقيل، ولا أحد يريد أن يتحمل مسؤولية “توصيل التيار” الكهربائي أو تحريك العديد من الملفات الراكدة ووو سير أعلى الله.
وفي خضم هذا العتمة، انعقدت الذكرى السنوية لخطاب 18 مارس كمناسبة ضائعة، لم تقدم حصيلة ولا دينامية، بل مرت مرور “السراج” المحمول على رأس مشيعين لا يعرفون إلى أين يتجهون. كما أطلت علينا وجوه جديدة في المشهد المحلي لترسم لوحة أكثر تعقيداً، حيث تداخلت الأدوار واختلطت الصلاحيات، وبقيت قضية الإنارة العمومية تتقاذفها المصالح، ككرة قدم تُلعب في ملعب بلا أضواء.
المؤسف أننا لم نعد نطلب معجزة، ولا حتى حدائق غناء، فقط نريد أن نرى الطريق تحت أقدامنا لئلا نقع في حفرة أو نفقد الأمان. لقد صارت الإنارة العمومية في وجدة مادةً للكوميديا السوداء، تُروى في المقاهي على أنها “أطول مسلسل مغربي”، بطولة: إدارة تترنح، ومشروع يتعثر، ومواطنون تعلموا كيف يمشون في الظلام كالقطط، وأيادٍ خفية تطفئ الأنوار كلما اقترب الحل.
والسؤال الذي يظل يقرع جدران المجلس والولاية: هل ينتظر سكان وجدة معجزة نورانية أخرى، أم أنهم سيُجبرون على استئجار القمر إلى أن تتعلم الإدارة كيف تنسق بين مصباح وآخر؟



Aucun commentaire