ظروف عودة أول فوج من حجاجنا إلى مطار وجدة أنجاد

كالعادة ـ وعندما نستعمل عبارة كالعادة نتوخى إقصاء عنصر الإثارة منذ أول وهلة ـ جاءت العودة متأخرة عما جاء في تذكرة السفر. فالعودة حسب التذكرة يوم 15 دجنبر2008 الساعة الحادية عشرة صباحا ، والعودة حسب الواقع يوم 16دجنبر2008 الساعة الثانية صباحا. وعلى القراء الكرام تصور الظرف بعد يوم ماطر تخلله سقوط الثلوج وأعقبته ريح نقلت الزمهرير من الجبال الكسوة بالثلج إلى سهل أنجاد حيث مهبط الطائرات. وعليهم تصور عدد المستقبلين الذي يفوق عرفا وعادة عدد الحجاج عشرات المرات والذين وفدوا على المطار وقضوا الليلة في العراء ،لأن قاعة الاستقبال بالمطار حيث التدفئة لا تتسع لهذا العدد من المستقبلين الذي يزداد سنويا جريا على تكريس عادة استقبال قبيلة لكل حاج. وعليهم تصور صبية رضع وأطفال صغار طوحت بهم ظروف الانتظار في درجة حرارة لا تبتعد كثيرا عن الصفر. وعليهم تصور رقصة جماعية رقصها الجميع شبابا وشيبا ذكورا وإناثا على أنغام البرد حيث ترنح الجميع وقد تجمدت الدماء في الأقدام ، وأفرغت الأنوف حمولتها فلا تسمع إلا شخيرا وزفيرا. ولقد سمعت أما غررت بصغارها إذ جلبتهم معها تحثهم على العدو طلبا للدفء، وعدا الصغار المساكين فلم ينفعهم العدو مع طول انتظار وقد غالبهم النعاس وحرمهم منه البرد وفرحة انتظار الأقارب. وتكدس الناس خلف قضبان الحديد ينتظرون طلائع الحجيج تحت أنظار قوات الدرك والقوات المساعدة ، وما فتئت القضبان الأولى أن تقدمت إلى بوابة المطار الذي بدا محاصرا بالمستقبلين وبدأت المشادات الكلامية بين قوات الدرك والقوات المساعدة من جهة وبين بعض المستقبلين المتلهفين لرؤية حجاجهم ، ولا حاجة لوصف ظاهرة الأنانية المتجدرة فينا ، وشعارنا : » أنا والطوفان من بعدي ». وكانت بعض أسباب المشادات بعض السلوكات المألوفة حيث تتسرب كالعادة طبعا بعض الفئات الاجتماعية إلى قاعة الاستقبال بالمطار معززة مكرمة فيكفي أن يكون الواحد من معارف بعض الحرس أو الموظفين أو حتى الكناسين ليصير من هذه الفئة المحظوظة ، أما الذين تدخلهم سياراتهم إلى قرب البوابة مع التحية والاحترام فهي الفئة الأكثر حظا في حين تكدس سيارات العامة بعيدا في نشاز منقطع النظير.
وطال الانتظار وظن المنتظرون أن القضية قضية إجراءات فإذا بالقضية قضية قلة العربات النقالة للأمتعة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم . وبعد أن كان بعض الحمالين يرجعونها فارغة إلى قاعة الاستقبال، اختفى فجأة هؤلاء وصار المستقبلون يسيرون خلف كل حاج ظفر بعربة نقالة يباركون له الحج ليس رغبة في المباركة وإنما استرضاء لأهله عسى أن يسلموا لهم العربة بعد تفريغ الشحن. وكادت هذه العربات أن تباع كما جرت عادة بيع مفاتيح العقارات عندنا.
وشوهد البعض وقد حملوا العجزة من الحجاج على ظهورهم لانعدام الكراسي المتحركة في مطارنا. وشوهد البعض وهم يخلعون ملابسهم لحماية حجاجهم من قساوة البرد. وفي غمرة هذه المشاهد المؤلمة لم يتخل البعض عن العادات والأصول والتقاليد حيث ضجت حناجر بعض النسوة بعبارة: » لا جاه إلا جاه….. » والتي تعقبها الزغاريد. وقد حاول حتى بعض الشباب مجاراة أو مساعدة النسوة في ذلك تفكها أو على حد قول المغاربة: « ذاك ما طحنت الرحى »
وما يكاد الجاج أو الحاجة يعانق مستقبليه ولسانه يدعو لهم حتى ينقلب دعاؤه لأهله إلى دعاء على البعثة التي كانت سبب شقاوتهم. ولما كان الوقت مبكرا وغير مناسب لسماع مغامراتهم مع البعثة وهم في تعب ، فإنني أرجئ الحديث عن ذلك إلى فرصة أخرى وكل عام وحجاجنا بخير بالرغم من ظروف حج قاسية لاتنتهي مناسكه إلا في حفل استقبال غريب و فوق كل وصف.




3 Comments
السلام عليكم نشكركم على هدا المقال وجزاكم الله خيرا…والله يا اخي هدا هو حال حجاجنا عبر التاريخ في كل اطوار السفر الميمون …حتى ان العدوى وصلت الى الحجاج من كل الجنسيات في البقاع المفدسة ليعاملوا حجاجنا بكل احتقار… فدائما طائرتنا احر الواصلين الى مطار جدة وحجاجنا الميامين يتكبدون عناء الانتظارونظرات الاشمئزاز من كل رائح وغاد
شكرا اخي على المقال واضيف الى مقالك هدا ان هناك من بعض الحجاج من تعرضوا لسرقة امتعتهم من طرف موظفي هده الخطوط و المؤسف جدا ان مدير المطار على علم بالسرقات المتكررة للزبناء و اخص هنا مطار وحدة انكاد فهل من يحرك ساكنا؟
اشكر الاخ محمد الشركي على مقاله القيم الذي تحدث فيه عن جزء من معاناة حجاجنا واتمنى ان يواصل كتاباته في الموضوع كما اشار. لانني قرات في جريدة الصباح لمراسلها بالديار المقدسة عن معاناة حجاجنا بعرفة ومنى وظروف الحج التي كانت سيئة بصفة عامة . ولعل اعتماد الاخ محمد الشركي على شهود عيان سيضع المواطن المغربي في الصورة الحقيقية عن مسؤولينا الذين اوكل اليهم صاحب الجلالة مهمة السهر على راحة حجاجنا وتوفير كل الظروف الحسنة لاداء مناسك الحج .