Home»Régional»تنضيد الحروف في قصيدة حوار للشاعر محمد السعدي

تنضيد الحروف في قصيدة حوار للشاعر محمد السعدي

0
Shares
PinterestGoogle+

لغة العربية بنية خاصة حيث تحتوي على أزيد من ستين ألف أصل ثلاثي ورباعي كما ذكر صاحب المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، وكل أصل من تلك الأصول له نظير ينتهي بنفس الحرف الذي ينتهي به الأصل مما يسمح للمستعمل اختيار الحروف التي يرغب في استعمالها بكل حرية ،
( ثم إن هذه الأصول فيها نحو عشرين ألف أصل ذي فروع ومشتقات وهذه المشتقات تنتهي بنفس الحروف التي تنتهي بها أصولها في الغالب مثل ، كتب وكتّب وكتائب ، وسلب وسليب وسالب وأسلاب….)1* المرشد.

ونظرا لطبيعة الذخيرة اللغوية العربية ، أصبح الشاعر مضطرا إلى الإطلاع عليها ومعرفة اللغة المستعملة أو المهجورة كلمة كلمة للدفاع عن القبيلة أو للتعبير بلسانها ، عما يشغل بالها ، أو لإثبات علو الكعب في مجال التواصل اللغوي والصياغة الفنية في مضمارالقول مسجوعا أوموزونا ذا قافية موحدة ، وزخرفة بديهية ، نتاج صناعة لفظية سامية مرتكزة على دراسة الأصول و اختيارالمعجم المتكامل لبلوغ المرامي البلاغية.

تختلف أذواق الشعراء، فمنهم من يحب الزخرفة والمحسنات البديعية واللفظية،ومنهم من يأتي بغريب الكلم ، أو يمد قصيدته بالجديد الطارئ في زمانه، لذلك تعددت القصائد، واختلفت أساليب القول، باختلاف الطبع أو الصنعة. فاستهجن النقاد أشياء، ولزم الشعراء ما لا يلزم ، وتفرقوا في ركوب الموسيقى اللغوية، و القوافي الذلل ،أو الحوش المتكلفة ، ملبين رغبة أهل الضاد، وأذواق المتذوقين، الخبراء بأسرار اللغة، وأسسها، وقوانينها، وأساليبها، و تنوع نبرها وتنغيمها…

إن الشاعر إذا اختار سبيل القريض ، اعترض ذهنه سؤالا عويصا أيقول الشعر بدافع الفن والجمال؟ أم لإرضاء مستمعيه والتأثير فيهم بنفس اللغة التي يتواصلون بها ؟
ولئن كان أبو تمام قد حسم الأمر في هذه المسألة بقوله:
عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر

فإن ثمة شعراء آخرين نحوا منحى مخالفا لأبي تمام. فكان مقياس الجودة بينهم تبعا لما تتركه القصيدة من أثرعميق في نفس المتلقي سواء كان رفيع الذوق أولم يكن .

والشاعر محمد السعدي من أبناء الجهة الشرقية من المغرب ،صاحب الدواوين الآتية 1/ الشهيد 2/ عبير المجرة 3/ أنباء الموجة العظمى 4/ الصوار. واحد من الشعراء المعاصرين الذين اهتموا في قصائدهم بالجانب اللغوي ، فوقفوا عند الوحدات اللفظية ، والمصاحبات اللغوية ، والحقول المعجمية التي تزخر بمجموعات لفظية متعددة الأجناس، تمنح العمل الأدبي تميزا وفرادة. إلى جانب الاهتمام بعلم العروض حيث أصبحت القصيدة لديه ، تعزف لونين مختلفين من الأنغام ، لكنهما منسجمان موسيقى الأوزان أو البحور، وموسيقى الحروف والكلمات أوالمنبثقة عن الصوائت والصوامت. والقصيدة المأخوذة من الديوان ( الصوار ) واحدة من بين الأعمال السامية التي أبان فيها الشاعر عن وعي وسبق إصرار اهتمامه بالجانب اللغوي في نظم الشعر وقرضه. وتكرار الحرف الواحد داخل بنية القصيدة، سواء في البيت الشعري، أوخارجه ، رغبة منه في منح النص محسنات حرفية كحروف الصفير أو القلقلة أو الحروف المجهورة والمهموسة والمطبقة وغيرها من الصفات التي تخدم الجرس الموسيقي ، والنظام العام الداخلي للقصيدة، ذلك النظام الذي يهواه الشاعر ويسعى إليه عن وعــــي.( استعماله لبعض الحروف كاللام والعين والميم في الضرب والعروض والزاي والراء والتاء والظاد والضاد والطاء…..).راجع المقطع الأول من القصيدة.

حوار خاص

ولقد نسيتك في العلا فتعلمي *** أن التحرر والتمرد في دمي
لا زلت أنزف سبعة فتكرمي*** بنشوز شعري ما أنا بمتيم
قالت تعبت ولن تظل معلمي*** أف لشعرك ما أقام مخيمي
فمتى رحلت نجوت من متشائم*** يرمي النساء بغفلة وتقزم
يختال في زهو كأعظم ضيغم*** إن قلت لطفا قال : لا ياخادمي
وخدمته ألفا بدون تجهم *** لم أجز إلا غصة بجهنم
يقسو على العينين واليد والفم *** ماحاجتي بجوارحي مع مسلم
قل لي بربك إذ أتيت مكلمي*** أين الوعود وما جرى بتفاهم ؟
سجني أحب إلي من ذا العالم*** زور حديث الود من متبسم
لم تدّعي الزلفى بدار الأرقم*** دع نظمك المعلول دون ترنم
الذئب يعوي عند لمح الأنجم*** فإذا توارت ضل كل منجّــــم

*************
ولقد نسيتك في الحمى فتعلمي*** أن الرجال تعاف كبر الأيم
أنت البحيرة في المدار لمظلم *** وأنا قضاء من ضياء البلسم
أنت العصارة من أصول العلقم*** وأنا الصحيفة بعد حج الأقوم
ولقد نسيتك في الثرى فتعلمي*** أني لأخطر كلْْْْْْْْمة في المعجم
*********
هون عليك مضى زمان الطوطم*** والفخر بالدينار ثم الدرهم
أنب فؤادك قبل لوم اللائـــــم *** واسأل ربيعك عن شتاء القشعم
هون عليك فإنني كالمرهم*** إن حزته شافاك من متورم
*******
ولقد نسيتك في الوغى فتعلمي*** أن الرجال زمان زحف قادم
ولقد نسيتك في الهدى فتعلمي*** أن النساء سلاح إبليس العم
بددت دينك في الزمان الأعجم*** أنت التشابه قام بين المحكم
وإذا التصادم بين كل الأجسم *** فترقبي عَدَما بدون توهـــــم
********
أسفي على نفسي فداك مقومي*** سأتوب توبة أمة في مأتم
فأنا التنفس والسنا للأسقم *** وانا السلامة عند كل تسمم
بامغنمي يامكرمي ياملهمي*** فأنا العظيمة فوق كل معظم
في منشئي سأظل بنت الاكرم*** بشهامتي إن صرت أول معدم

إن القراءة الحفرية لقصائد الصوار تظهر أن الوظيفة الشعرية للغة عند الشاعر محمد السعدي تعتمد على التوليد الذاتي، فالفاعلية الشعرية لديه تعتمد على هندسة صوتية واعية، تمنح القصيدة أبعادا فيزيائية وذبذبات
صوتية متنوعة، تخدم مسار حركة الشعر داخل فضاء القصيدة الملغم بالآهات والأحزان، إن القصيدة السالفة ، حوار من نوع خاص، بين الذات والآخر منحها طعما خاصا ، ممزوجا بنكهة عين جارية من مآق تفيض بين الفينة والأخرى فيضان المياه المتناثرة في الفضاء بشاطئ صلالة العماني الذي زاره الشاعر.

جمع الشاعر في قصيدته بين فخر عنترة وشهامة النفس وعزتها لدى المعري الذي مرّ بتجارب قاسية في الحياة نظرا لسجنه وموقفه من الحياة يقول:
*** هـــذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحــــــــد ***
ولئن لزم المعري ما لايلزم أحدا في قول الشعر وأتى بالغرائب والعجائب
وأبان عن مقدرة خارقة للعادة في التصرف في اللغة إلى درجة أن أهل الصنعة ذكروا أنه ما من كلمة أنشأها العرب إلا وكان أبو العلاء على اطلاع عليها، لسرعة حفظه وسلامة بديهته.
فإن الشاعر محمد السعدي ينحو هذا المنحى ، ويلزم نفسه ما لا يلزم غيره من شعراء عصره ،فيصدر ديوانا فريدا في بابه، فإذا كان عنترة يقول لمخاطبته:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل *** مني وبيض الهند تقطر من دمي
فإن الشاعر يقول لمخاطبته:
ولقد نسيتك في العلا فتعلمي *** أن التحرر والتمرد في دمي
استعمل الشاعر جملة ( ولقد نسيتك) في قصيدته عدة مرات للتعبير عما يشغل باله في خضم معاركه ضد الزمان وما أكثرها!

إن الظواهر اللغوية( بالصوار) تحتاج إلى دراسة معمقة، للكشف عنها والاستفادة من تجربة الشاعر في هذا المجال ، حيث أصبح الشعر في زماننا من المآثر التاريخية في مجال الأدب. فشكرا للشاعر على التزامه بعلم العروض وحرصه على اللغة ، وإضفاء مسحة من الجمال على القصيدة ، تلك القصيدة التي أصبحت تحفة فنية بما لاقاه صاحبها من معاناة في سبك أبياتها وتنضيد حروفها.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

2 Comments

  1. منصور
    08/08/2008 at 23:57

    هل اطلعت على قصيدته المعنونة ب  » أسباط ابليس في سلك التدريس  » ؟؟ ما رأيك فيها ؟؟

  2. عكاشة البخيت
    17/08/2008 at 21:59

    قلت لك سابقا أنها قصيدة كتبها الشاعر بتاهلة وأنت كنت تدرس في نفس المؤسسة فلم التساؤل عن قصيدة لا توجد بالديوان أحدثت ضجة بسبب موقف صاحبها من بعض تصرفات عاينها في تلك الحقبة ولم يسكت عنها فاسأل صاحبها للمزيد من المعلومات.

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *