ذلك الإنسان الذي نسي خلقه(تكوينه)

كان « الإنسان » دائما موضوعا للبحث والتساؤل،لدى الإنسان الأمي و المتعلم والمثقف و العالم.والتساؤل مشروع ،بل أصبح من ضمن الحقوق التي يتمتع بها كل كائن بشري، سواء توجه بالسؤال إلى نفسه أو إلى الآخر.السؤال يكون للآخر،والتساؤل للذات السائلة…فحينما يكون الإنسان في ضيافة نفسه و يكون في مواجهتها تطرح عليه عدة تساؤلات:ما الذي يميزني عن الآخر،أو بمعنى أدق بماذا يتميز إنسان عن إنسان آخر؟رغم أن كل البشر من أصل واحد و طين واحدة هو الشيء المشترك.والمختلف يكون في الألوان و الأحجام و طول القامة أو قصرها،واختلاف الحركة، والعواطف و الأفكار،وو…فكل إنسان كفرد هو نموذج نفسه،لا يتكرر لا في الزمان و لا في المكان(رغم أن عامة الناس تعتقد أن الله يخلق من الشبه أربعين)
تساءل الإنسان الذي يسكنني:ماذا يميز إنسان عن إنسان آخر؟هل الصحة أم المرض هو مقياس المقارنة؟أم الثراء و الفقر؟أم القوة و الضعف؟ أم الذكاء و البلادة؟أم الجمال و القبح(في الجسد و الروح)؟أم الفضيلة و الرذيلة؟
وتأمل الإنسان الذي يسكن ذاتي هذه التساؤلات و قلبها على أوجهها المختلفة،ووجد أن كل كائن بشري فيه و له نصيب من هذا و ذاك،و شيء من هذا وذاك.وعندما يحصل على كل شيء سيصبح في مرتبة الإله.فالكمال خاصية لله وحده ،ولا يشترك في كماله احد من مخلوقاته.هذا هو القانون والقاعدة الكونية التي يؤمن بها كل عقل سليم لم يخالطه فساد.الله هو الخالق الباري المصور الغني القوي العزيز العليم…والعقل المدبر(الوجود الواجب في لغة الفلاسفة المسلمين في مقابل الوجود الممكن(الكون)).الكون هو مملكة الله،ونحن كبشر جزء من هذا الملكوت وهذه المملكة،خاضعين لنفس القانون (الفناء) أو الفساد في لغة أهل الفلسفة(كل نفس ذائقة الموت): الإنسان مهما طال به العمر أو قصر فانه كادح إلى ربه كدحا فملاقيه.الموت هو القسمة العادلة بين البشر:وكذلك الحياة.ومع ذلك تغيب هذه الحقيقة عن الكثير منا ،فيتصور نفسه « فرعون »زمانه،في غروره و تكبره وتجبره،واستعلائه واحتقاره للآخرين و الاستهزاء بعقولهم و تفكيرهم وفقرهم،وإعجابه بنفسه والإكثار من مدحها في كل مناسبة تجمعه بالناس.مغرور بماله و صحته و مركزه،يعتقد أن الأرض ومن عليها من البشر، سخرت له وحده. أبناؤه ليسوا كالآخرين، لعلهم من طين أخرى، فإعجابه بهم و الافتخار أمام الناس بهم و بتفوقهم يفوق ما قاله الشاعر « أبو نواس » في الخمر مدحا و غزلا و هياما ،وكأن أبناء الآخرين من خشاش الأرض، لا يستحقون ثناء أو شكرا. يدوس على الناس بحذائه لأنهم في نظره تافهون لا يستحقون الحياة…ونسي شيئا مهما: انه من تراب،وانه من « ماء مهين « .و أن الجنة محرمة على من كان به ذرة من كبر…هكذا اخبرنا المعلم المصطفى(ص)
واستنتج الإنسان الذي يسكن ذاتي لو عرف كل إنسان حقيقته،وانه سراب:يظهر و يختفي من هذه الأرض التي يعيش فوقها في أية لحظة،كأنه لم يكن هنا ذات يوم،لان الدنيا التي نحياها سراب هي الأخرى،لحسنت أخلاقنا و علاقتنا مع بعضنا،ولاجتهد الإنسان في خدمة أخيه الإنسان.فالمسافة بيننا وبين التربية الخلقية مسافة اشك أن نصل إلى منتهاها يوما. ولكن ومع كل ذلك لا ننسى أبدا ما قاله المولى سبحانه و تعالى في البشر: « خلق الإنسان هلوعا،إذا مسه الخير منوعا،وإذا مسه الشر جزوعا



Aucun commentaire