بين إنسان المغارة و إنسان العمارة

« يولد كل الناس أحرارا »ذلك هو البند الأول في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان العالمية.ذلك الميثاق الذي وقعت عليه مجموعة من الدول التي تعهدت احترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا،تطبيقا وثقافة،وفي كل الميادين :السياسية و الاقتصادية والصحية و الثقافية الخ.. وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى قولة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أرضاه » متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ».هذه المقولة أصبحت تجري على كل الألسن فرادى و جماعات عند ما تشعر بالحاجة الملحة إلى قولها.
الحرية هي القسمة الوجودية العادلة بين البشر،كما أن العقل في قولة (ديكارت) هو القسمة العادلة بين البشر.
ولد الإنسان حرا يوم كان يسكن المغارة لا يخضع إلا لقوانين الطبيعة،التي طلب إرضاءها بكل الطرق عبر طقوس تعبدية.لكن المسيرة الزمنية من السكن في المغارة إلى السكن في العمارة،تطلبت ألاف السنين،من الكائن البشري في البحث و التفكير والعمل.ويؤكد بعض الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية،أن الكائن »البشر »اسبق تاريخيا من الكائن »الإنسان ».الكائن الأول،كانت له آذان لا يسمع بها وعيون لا يبصر بها.ويبقى هذا اجتهادا فكريا له قيمته العلمية.
ويؤكد المؤرخون أن اكتشاف النار كان العامل الحاسم وراء كل التطورات و القفزات النوعية التي حققها الإنسان عبرا لتاريخ.فباكتشافها خرج من المغارة.
ولكن بين المغارة و العمارة مسيرة زمنية مهمة،لا تحسب بالساعات و الأيام و العقود.لان إنسان المغارة هو رمز لكل إنسان يعيش تحت الرصيف الاجتماعي،يأكل من القمامة،يسكن في العراء.لباسه و أكله و نومه في نفس مرتبة إنسان المغارة.
إنسان المغارة(تحت الرصيف)في معادلة و مساواة مع إنسان العمارة (الحضارة)في البنية الجسمية و العاطفية والعقلية،لا فرق بينهما:القبور متساوية،يوضع فيها الجنس البشري بعد انقضاء مدة صلاحيته.وكلنا متساوون في المادة التي نتكون منها واليها نعود.وكلنا نعيش بالماء و الهواء ودرجة معلومة من الحرارة…وكلنا من آدم،وآدم من تراب،فالجنس البشري كله قديمه، و حاضره، و مستقبله، من تراب .فأين هو الاختلاف بين بني البشر؟
في الوطن ،يقال أن لا اختلاف بين المواطنين أمام القانون،ولا اختلاف في الحقوق و الواجبات.هذا ما يعلن عنه كتابة على الأقل ،في كل المنابر الإعلامية و التربوية و الدينية و السياسية و النقابية…ولكن الحقيقة غير ذلك تماما:إن الفقير لا قيمة له إلا في الانتخابات(عندما يحتاجون إلى صوته بمقابل زهيد). أما هو كشخص، فلا معنى له و لا قيمة ولا وجود لديه.انه وجد ليكون متسولا فقط من الأثرياء.الم يقل احد الأغنياء:انه لابد من وجود الفقراء ليمسحوا عنا الذنوب التي نرتكبها،بالصدقات عليهم.؟أية مساواة يا أولي الألباب؟
قاد صديقي المتقاعد سيارته التي لا تحمل أية إشارة تدل على مهنته L(كأستاذ جامعي أو طبيب أو محامي أو قاضي،أو منتمي للجماعة المحلية،أو من الهيئة القنصلية،كما يفعل الكثير من الذين يريدون تقديم أنفسهم،أنهم من طينة أخرى).لاشيء يدل من سيارته على مركزه ومهنته…كنت راكبا معه،عندما خفف السير إلى الدرجة القصوى ،أمام علامة « قف »…كان الشرطي يترصد له بالمرصاد،ينتظر مثل هؤلاء الذين يمثلون،بالنسبة إليه، الصيد الثمين.ليلصق به الذعيرة السمينة التي تفرغ الجيوب من محتوياتها و أشياء أخرى…أوقفنا الشرطي.وطلب من صديقي المتقاعد كل أوراق السيارة(التامين و رخصة السياقة و البطاقة الرمادية و…)،قال الشرطي محذرا: أنت لم تتوقف عند العلامة،وعليك أداء الذعيرة،فماذا تختار:هل تؤديها الآن أم في « ولاية الأمن »؟…في تلعثم و ارتعاش وارتعاد وارتجاف،وزلزال، حاول صديقي إخفاءه،سأل الشرطي:ما قيمة الذعيرة سيدي؟ أجابه:700 درهم ،هل تؤديها الآن أم لا؟.لم يفارق سجل الذعائر الشرطي وكذلك القلم الذي به يحرر … »700 درهم » رددها صديقي مرات و مرات. »ولكن سيدي،ليس معي هذا المبلغ لا في جيبي و لا في بيتي،وأنا متقاعد في التعليم،ومنحتي اقبضها ما بين 19 و22 من الشهر،وليس معي الآن إلا 150 درهما فقط »…
تركت صديقي للمفاوضات، ولا ادري كيف انتهت…كل ما كنت أتمناه أن لا أكون في ذلك الموقف.إن صديقي سيلعن الحظ الذي صادفه معي،أو الذي جعله يختار ذلك الممر الذي ينتهي بعلامة « قف' ».
في يوم آخر ،وفي طريق أخرى،أوقف الشرطي واحدا من السائقين الذين لم يربطوا جسدهم بحزام السيارة.ولكن عندما عرف أن من أوقفه ،طبيب(علامة طبيب ملصقة على واجهة سيارته)،قدم له تحية عسكرية،لافتا نظره إلى حزام السيارة.ابتسم الطبيب للشرطي،واضعا في نفس الوقت، الحزام…تبادلا الابتسامة،وتابع الطبيب سيره…تاركا عقلي غارقا في تساؤلات محيرة:هل صحيح أننا متساوون أمام القانون؟؟؟أليست المساواة إلا أسطورة تثير الضحك والتسلية، تعلمناها و علمناها للتلاميذ في المدرسة؟؟؟ وتساءلت أيضا، عن قيمة الإنسان في هذا المجتمع،والذي يتحدد من خلال مركزه و ماله فقط،وليس شيئا آخر…وتذكرت بدون الاسترسال في التساؤلات المتعبة ،الآية الكريمة من سورة الانشقاق((يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)) الاية6 …
انجاز:صايم نورالدين



Aucun commentaire