الحلم العربي

يميز أطباء التحليل النفسي بين نوعين من
الأحلام : أحلام النوم و احلام اليقظة.
الأولى تعتبر طبيعية
خاصة بالإنسان . إذ هناك إجماع بين
العلماء على اختلاف تخصصاتهم المرتبطة
بالإنسان ، أنه الكائن
الحي الوحيد الذي يحلم ، و يدون أحلامه
بل و يفسرها. و الثانية تعتبر أحلام
اليقظة حالة مرضية ناتجة
عن اللإحباط و الشعور بالعجز أمام الفشل
في حل المشاكل التي نصادفها في حياتنا
اليومية . و إن كانت
أحلام اليقظة هي ميزة مرحلة المراهقة …
فإذا كان الغربيون يتميزون بفكر موضوعي
وواقعي بل » براجماتي » نفعي و مصلحي )
شعاره
المصلحة أولا( ، فإن العنصر العربي
يتميز بفكر حالم، و لهذا أجاد و تميز
العرب في الخطابة و الشعر و
النثر بكل أنواعه. فالشعر ميدانه و ساحة
حربه المشاعر و العواطف و الأحلام و
الخيال . فنحن أمة
الخيال و القتال و الانفعال ، و
البطولات و الانتصارات. هذا ما يحكيه
التاريخ المدرسي في حجرات
الدراسة ، رغم أننا نعلم علم اليقين أن
التاريخ المدرسي يختلف في حقائقه عن
التاريخ الحقيقي .
إن المستشرقين في الغرب و الشرق لا
يمنحون ميزة إنتاج التفكير و الفلسفة
للعرب. بل يؤكدون أن
الفلسفة العربية و الإسلامية هي فلسفة
يونانية كتبت بلغة عربية . رغم أننا نعلم
أن ما استعمله العرب
من الفكر الفلسفي اليوناني هو حجاجه
للدفاع عن الدين ، أو شرحه خاصة ما يتعلق
منه بالأمور الغيبية
) الميتافيزيقية ( . إن الفكر الفلسفي
ينمو و يترعرع و يتطور في مناخ سياسي
تسود فيه الحرية بكل
أنواعها ، و خاصة حرية التفكير و
التعبير . و هذه الأمور نشك أن ملوك
العرب السابقين و القادة
الحاليين يمنحونها للمفكرين و الفلاسفة
.
لقد اعتبرت الفلسفة دائما ، جسما غريبا
في العقلية العربية . بل و حوربت يكل
الطرق و الوسائل
الشرعية و غير الشرعية ، و نكل
بمتعاطيها من طرف الملوك و علماء الدين.
و التاريخ يشهد على ذلك
، و لفقت اتهامات الزندقة و الكفر و
الهرطقة لكل من تعاطى لهذا النوع من
التفكير. بل إن بعض الملوك
أصدر قرارا يمنع التعاطي للفلسفة و
المنطق و علوم الكلام في المساجد. و من
فعل ذلك فلا يلومن إلا
نفسه…. ا إن لنا في التاريخ لعبرة لمن
يريد أن يعتبر . فهذا ابن المقفع المثقف
ذي الأصول الفارسية
يقطع لحم جسمه ، و يقدم له ليأكله جزاء
جرأته الفكرية. حينما أهدى كتاب « رسالة
الصحابة » إلى
الملك العباسي أبو العباس السفاح ، و هو
يحتوي على نصائح في تدبير شؤون الدولة.
إنها السلطة السياسية المطلقة حين تقطع
دابر الفكر. كما ان ابن رشد اتهم في دينه
و هو الفقيه القاضي
و الفيلسوف . كمالا ينسى التاريخ ما فعله
بعض من رجال الدين و فقهاء الازهر
بالأديب و المفكر
العربي » طه حسين » في دراساته الشعرية
للعصر الجاهلي . حيث طبق على هذه الدراسة
منهجا
رياضيا ، و لكنه صالح أن يكون منهجا في
دراسة الادب و التاريخ . إنه منهج يرتب
الحقائق و يلغي
بعضها الذي يتنافى مع قواعد العقل و
المنطق .
لقد صودر الكتاب و منع من التداول ، و
قدم صاحبه للمحكمة . إن حرية التعبير و
التفكير و البحث لا
تقتضي المنع و لا المحاصرة و لا
الاستفزاز و لا الارهاب الفكري. أن حرية
التعبير و التفكير هي فسحة
كبيرة للفكر أداتها المحاجة و الاقناع ،
و استعمال قواعد المنطق في الكلام و
التفكير … إن مطاردة
المفكرين و مضايقتهم لا تفسح المجال إلا
للشعراء و الحالمين … إننا أمة مستغرقة
في الحلم ….
في سنة 8002 تقدم الرئيس الأمريكي حاليا
« باراك أوباما » للترشح للرئاسة و الفوز
بها لأول مرة.
فبدأ العقل العربي يحلم و يبحث عن أخبار
هذا الرئيس ، و يسمع عن أصوله الإفريقية
و الإسلامية . بل
توجه للنبش الانثربولوجي في أصله و
جذوره العائلية فقيل إن أباه اسمه » حسين
» . و ركبوا له
الاسم الثلاثيى » باراك حسين أوباما » و
استبشروا خيرا للأمة العربية . و قيل
آنذاك أنه سيكون ناصرا
و منتصرا للقضية الفلسطينية. و كثر
الحديث و النقاش و الكلام يدون قول كما
علماء التواصل من
الغرب. كما كثر الكلام بدون فعل أيضا. و
بما اننا نحب الكلام بدون فعل ، فلقد رسم
الخيال الشعبي
صورة البطل الافريقي و المسلم » أوباما »
الذي سوف ينتصر للعرب بعد الهزائم
المتكررة و المتعددة.
و لكن الأيام اثبتت أن هذا الرئيس خدم
الدولة العنصرية الصهيونية أكثر مما
خدمها الصهيوني
العنصري اليهودي » فرانلكين روزفيلت « .
فكل حكام أمريكا في سلة واحدة يخضعون
لسلطة المال و
الرأسمال. و بما ان الاقتصاد الامريكي
في يد اللوبي الصهيوني و العكس ليس
صحيحا أبدا …
إننا نعرف أن هناك جالية عربية و
إسلامية معتبرة تعمل في أمريكا . و لكن
همومها ليست متوجهة نحو
خلق لوبي ضاغط . و ليس في أهدافها السعي
إلى السيطرة على منابع المال و الاعمال
و الاعلام . و لا
تريد أن تلعب دورا في السياسة الامريكية
.
حتى لو أمكن لهذه الجالية أن تكون جماعة
الضغط ، فلمن ستوجه اهتمامها : هل للعالم
العربي
الإسلامي أم للعالم العربي المسيحي ؟ و
حتى العالم الاسلامي نجده منقسما إلى
اتجاهات ) السنة و
الشيعة و الصوفية ( و في كل اتجاه هناك
ملل و اتجاهات و شيعا متباينة و متناقضة
بل و متعادية و
متحاربة . فرغم أن الاسلام وحد القبائل و
الشعوب إلا أن التاريخ و السياسة قد
فرقهم إلى اتجاهات
دينية متحاربة عبر التاريخ و إلى الان .
و يكفي أن ننظر إلى ما تبثه القنوات
الدينية من حرب كلامية
متهمة الطرف الاخر بالخروج عن الدين و
الكفر و الشرك…
اخلص ، و أستنتج أننا أمة لها عشق أسطوري
في الكلام بلا قول و الكلام بلا فعل أيضا
. تدفعنا
المبادئ و ليس المصالح . و من أجل هذه
المبادئ نفرط في المصالح . فيحق علينا
القول ، إن سمح
القول بذلك : يا أمة ضحكت من تفريطها في
مصالحها الأمم …
و عذرا للشاعر الأصلي الذي كتب القصيدة
.
فليعلم الحالمون ، أن امريكا ماض فيها
قول الله تعالى » و تلك الأيام نداولها
بين الناس » صدق الله
العظيم . إنها سنن الحياة و الكون ، التي
قضت سابقا على امبراطورية » كسرى » و
امبراطورية »
القياصرة » . و لله في خلقه شؤون


1 Comment
شكرا للأستاذ الصايم على هذا التحليل وحسبنا الله ونعم الوكيل في مقرراتنا ..وأحلامنا…..buonouayahya