عن الإذاعة المغربية ..و أشياء أخرى ..

يثلج الصدر حقا أن ترفع الإذاعة المغربية شعار التميز و التجويد، و لئن كان تفعيل الشعار يحتاج إلى جهد مضاعف و نفس طويل فإن ملامح الصورة الجديدة بدأت في التشكل، و هو ما يحتاج إلى متابعة إعلامية تدعم النجاحات و تسلط الضوء على مكامن الخلل. و في غياب نقاش عام حقيقي يدرك، بداءة، خطورة الأدوار المنوطة بالإعلام المسموع، و يرصد و يناقش و يحلل، يظل أداء الإذاعة الوطنية، و كل المحطات الجهوية، بعيدا عن التقييم فبالأحرى التقويم. إن عزوف الأقلام الصحافية عن طرح قضايا الإذاعة – باستثناء ما تعلق ببعض المشاكل ذات الطبيعة النقابية – ينبئ عن فهم خاطئ لانتظارات القراء و المستمعين على السواء. ما يوسع الهوة بين الإعلام المكتوب و المسموع، و يخلق جوا من " عدم التواصل " – حتى لا أقول عدم الثقة – بين إذاعة وطنية تتحرك، بله تقطع أشواطا في التجديد و التجويد، و صحافة مكتوبة ترتب ” الراديو“ في أسفل لائحة وسائل الإعلام. ولست، ها هنا، في حاجة إلى إيراد ملاحظة صغيرة عن إهمال الجرائد اليومية لبرامج الإذاعة في الركن الصغير – الذي يكون عادة أسفل صفحة ” الخدمات“ -. إنها ليست ملاحظة شكلية لأن جرائدنا – أو بعضها على الأقل – تنساق مع ثقافة بصرية تختزل الحياة في صورة واقعية باردة لا مكان فيها لمتعة الاستماع حين ينفض الغبار عن مخيلة متعبة " بْالتهام " الصور
إن دعم الإعلام المسموع – الجهوي بشكل خاص – يمكن ان يساهم في دفع عجلة " التنمية الثقافية " المعطوبة. و هذا الدعم لن يؤتي أكله ما لم ُيرد الإعتبار للإعلام الجهوي – المسموع – الذي يستقطب شرائح واسعة من المستمعين، و يحقق نجاحات كبيرة بإمكانيات محدودة. و حين تصبح الإذاعات الجهوية ” محضنا “ للمثقفين و المبدعين، المنبثين في المدن و القرى و المداشر، يمكن أن نتحدث آنذاك عن حركية ثقافية، و عن فعل ثقافي يملأ فراغ الساحة الثقافية " الفارغة " من كل فعل. إننا نتحدث، أحيانا، بسذاجة عن تدني نسب المقروئية، و عن الكتاب المغربي الذي لا ينظر في وريقاته أحد، و بين أيدينا مؤسسات إعلامية جهوية يفترض أن تشكل فضاء ثقافيا متميزا يرسخ ممارسة ثقافية متميزة.
في البدء، كانت الإذاعة. و حين نكف عن اللهاث وراء الكاميرا، تصبح الإذاعة في المنتهى أيضا. و المثقف الذي يستنكف أن يطرق باب دار” إذاعته الجهوية“ مصاب " بجنون الكاميرا " .. أو محبط من كل إمكانية للتواصل مع المتلقي و قد بارت كتبه في السوق.
هي مسؤوليتنا جميعا – أريد أن أقول – .. صحافيون، مثقفون، و إذاعة وطنية بكل فروعها الجهوية .. و غني عن البيان أن الإذاعة المغربية تنجز و تحقق، و تزاحم بالمناكب و الأكتاف، في وسط إعلامي لا يرحم ضعيفا، و يجهز على كل " جريح" .. لكن صدى إنجازاتها لا يصل – للأسف – إلى الإعلام المكتوب. و لست، اللحظة، في معرض ( التطبيل للإنجازات الضخمة و غير المسبوقة للإذاعة ) و لكن – و بعيدا عن لغة الخشب – أقول إنه من باب الإنصاف أن نقول لمن أحسن: أحسنت !
على أن ما ينتظر الإذاعة أكبر بكثير مما قامت به، كما لا تزال الكثير من مكامن الخلل في حاجة إلى التصحيح، ليس أهونها " القالب التقليدي " الذي لا تزال تشتغل على أساسه. ما يعطي الإنطباع، في الكثير من الأحيان، أن الجمل الأثيرة ( هنا الرباط .. سيداتي، آنساتي، سادتي … توالون الإستماع إلى ..من كلمات و ألحان ..و هلم جرا ) سيظل صداها يتردد عبر الأثير !
و إذاعة وجدة – مثلا –تميزت بأصوات مذيعيها، و تميزت – بشكل خاص- بالروابط الحميمية التي استطاعت أن تنسجها مع مستمعيها. و هي علاقة خاصة جدا يحضر فيها الجانب الإنساني، الوجداني بشكل غريب. و نحتت إسمها في المشهد الإعلامي الجهوي، و رسمت – و لا تزال- صورة المنطقة الشرقية بأصوات مذيعيها و مذيعاتها منذ بداية الستينات و إلى اليوم…….. عصارة القول أن إعلامنا المسموع محتاج إلى دعم خاص، إلى دماء جديدة، و إلى الكثير من العشق المتقد للعمل الإذاعي.
سمير بنحطة / وجدة


Aucun commentaire