إذا ما مسك السوء من أخ ولدته لك أمك فلا تنتظر ممن لم تلده لك إلا الأسوأ

لقد كشفت أول جريمة في تاريخ البشرية ،حين قتل ابن آدم عليه السلام قابيل أخاه هابيل أن قدر الأخوة من الرحم هو العداوة الأبدية إلا ما شاء الله عز وجل . ومنذ أن طوعت نفس قابيل له قتل أخيه هابيل وكل أخ من الرحم من بني البشر تطوع له نفسه أن يمس أخاه بسوء لطبيعة جبل الناس عليها . ولا زال الغباء صفة في كل أخ تسول له الإساءة إلى أخيه ، ولا زال البشر في حاجة إلى فعل الغراب رمز الغباء لطمر الإساءة بين الأخوة الرحمية . وما ذكر الله الغراب الذي دل قاتل أخيه على ستر جريمته إلا لبيان غباء الإنسان عندما تعمى بصيرته فتعمي بصره فينال من أخيه لأمه نيل السوء. ولما كان هذا حال الأخوة من الرحم ، وكان هذا قدرها الذي لا مفر منه إلا أن يتولها الله عز وجل بألطافه ، فإنه سبحانه وتعالى عوض الأخوة من الرحم بالأخوة في الدين ،مما يعني أن رابطة الدم لا تستنكف عن هدره خلاف رابطة العقيدة فإنها تصون الدم ولا تسفكه إذا ما روعيت حق رعايتها . وإذا صح القول القائل : » رب أخ لم تلده لك أمك » فإنه يصح أيضا أن يكون الذي لم تلده لك أمك أسوأ عليك من الذي ولدته لك. ورب ويل أهون من ويلين . وقد تكون يدك منك أهون عليك وإن كانت شلاء . والإنسان بطبيعته إذا عدم أخوة الرحم وخيرها ، وناله منها السوء التمس نوعا من الخير في الأخوة التي لا تلدها الأم ، وبحث عن قرين مثله ، وجليس المرء مثله كما يقال . والعادة أن يبحث الناس عن الوئام ، لأنه لولا الوئام لهلك الأنام . وما أشد خيبة الإنسان عندما يتحول الأخ الذي لم تلده له أمه إلى أسوأ من الذي ولدته له ، ويصير أغدر من غدير ، وأغر من سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ولا يجد عند إلا ربه يوفيه حسابه . وآية غدر الأخوة المزورة أن يدلك أخوك الزائف ممن لم تلده لك أمك على الإساءة إلى الغير بغير وجه حق ، فتصير أخسر من قابض على الماء، وأخبط من حاطب ليل ، وأنت ترجو الخير ممن لا خير فيه ، وممن لا يدلك على إسداء الخير لغيرك ، ويعادي كل من لا يعزف على وتر هواه ، وتصير بعد انكشاف غررك أنك أيأس من غريق . و يكون لسان حالك يوم يكتوي بغدر الأخوة الزائفة اللهم وجع ساعة ولا كل ساعة . وتفضل الوحدة على أخ السوء الذي لم تلده لك أمك تماما كالهم الذي تلده لك أتانك على حد قول العامة . ومع أن النقد صابون القلوب ، فإنه يتحول في حال الأخوة الزائفة إلى مدنس لها ، فلا يقبل منك أخوك المزور نقدا ولا نصحا ، ويرغب في مدحك الزائف على الدوام حتى تصير بذلك منافقا خاص النفاق . ورب مزاح بينك وبينه يكون لقاح الضغائن بينكما ، فيصير بعد ذلك الكلام بينكما كلاما لينا ينم عن ظلم بين . ويصير القول بينكما ينفذ ما لا تنفذ الإبر . وما قيمة أخوة زائفة معوجة ، ولا يستقيم الظل والعود أعوج. وآفة الأخوة المزيفة أن أطرافها يتتبعون عيوب بعضهم بعضا ، وتأمل العيب عيب . وتتبع العيب مغضبة ، وأول الغضب جنون وآخره ندم . ومن قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي . ومعلوم أن كرامة الإنسان أعز من أنف الأسد ،. وأن شر ذل يذل الإنسان الاعتذار إلى مسيء أو لئيم . وعندما تسوءك أخوة الرحم ، وأخوة لم تلدها لك أمك تفضل أكل لحمك و لا تدعه لآكل ، فحين تهون إساءة الأخوة من الرحم الفطرية الطبيعية على إساءة الأخوة المزورة المكتسبة لا تضيع حينئذ زيت في عجين . ومع أن اذخار الرجال أولى من اذخار المال ، فإن الأخ المزور الذي لم تلده لك أمك يؤثر عليك المال ، و يبحث عن أخوة في المال تحت ذريعة الأخوة في الله ـ تعالى الله عما يصف كذبا وزورا ـ . وإن حال من يبتغي الاقتراب من أخ مزور كحال من أراد الجمع بين الأروى والنعام ، وهما لا يجتمعان كما لا يجتمع سهل ووعر . وعلى من كشف الله له سوء الأخوة الزائفة ألا يقع في بحرها إلا سابحا ، وألا يحاول رتق ما اتسع من الخرق ، وأن يشتغل بوهيه فيرقعه . وما أظن الذي نهشته الحية إلا حذرا من الرسن . ومن سلم من الأسد فلا يطمع في صيده بعد ذلك . وعلى الأخ المزور الذي لم تلده الأم أن يعلم أن من غضب من لا شيء رضي من لا شيء ، ولا ينفعه بعد ذلك رضاه . ومحك الأخوة مهما كانت السلامة من سوئها وما يعرف السبق إلا عند الغاية . ومن زل به لسانه فأساء إلى الأخوة قيل له : ويل للرأس من اللسان . وقول بلا ميزان عداوة بلا سبب . وما تزل الأخوة إلا بزلة الأخ ، فإن كانت الزلة ممن ولدته الأم فالأمر سيء وإن كان طبيعيا ، وإن جاءت ممن لم تلده فالأمر أسوأ ،وهو أغرب . اللهم بصرنا بعيوبنا واغفر لنا إسرافنا ،فإنك لم تقنط مسرفا من واسع رحمتك وعظيم مغفرتك وجميل عفوك ، وعوضنا عن زيف الأخوة صادقها وأدومها ،لأنه لا يدوم إلا ما كان لك سبحانك .



Aucun commentaire