ظاهرة سوء الأدب مع منبر الجمعة

من الظواهر الطارئة على مجتمعنا المغربي المتدين والمحافظ عبر تاريخه الطويل ظاهرة استهداف منبر الجمعة ، وهو منبر حظي بالتوقير عبر تاريخ المغاربة الطويل ، ولم يعرف التطاول عليه إلا مع ظهور التيارات المتعلمنة ـ إن صح تعبيري ـ حتى لا أقول العلمانية لأنه لا يوجد لحد الآن من المتعلمنين المغاربة من يجرؤ على التصريح بانتمائه العلماني على الطريقة الغربية الواضحة الفاضحة ، وإنما يضطر المتعلمنون إلى نوع من النفاق المستحدث لأنه ليس بمقدورهم السباحة ضد تيار التدين في بلد دينه الرسمي الإسلام ، وعلى رأس مؤسساته بما فيها المؤسسة الدينية إمارة المؤمنين بما لهذه الإمارة من دلالة دينية واضحة حيث يرتبط المغاربة بهذه الإمارة ارتباطا شرعيا يصطلح عليه بمصطلح البيعة التي يرمز إليها منبر الجمعة كل أسبوع فضلا عن كونه يمثل شعيرة دينية تعبدية أسبوعية. ولقد كان الجرأة على منبر الجمعة في بداية أمرها وخلال المد اليساري عبارة عن تعريض وسخرية بمواضيع خطب الجمعة التي كان يلقيها بعض الشيوخ الطاعنين في السن في غالب الأحيان يوم كان الشباب غافلا عن دينه ، وبلغة الفواصل السجعية التي كان يستهجنها اليساريون لأنها تمثل ماض يرغبون في القطيعة معه.
وكان هؤلاء اليساريون يقولون للمنبر كفانا من مواضيع الحيض والنفاس والتيمم وتغسيل وتكفين الميت…. سخرية واستهزاء . ولقد مرت على المغرب قرونا طويلة استمع خلالها المغاربة إلى هذه الخطب التي استهجنها اليسار عندنا دون أن ينال أحد من وقار منبر الجمعة . ولقد كان الفضل الكبير لهذا المنبر في استرجاع المغرب سيادته بعد احتلال بغيض إذ كان المنبر هو موقع التعبئة الشعبية الجهادية ضد المحتل ، وكانت تلاوة اللطيف في المساجد هي الشرارة القادحة للجهاد ضد المستعمر ، كما كان المنبر الذي يسخر منه اليسار عندنا يقض على المحتل مضاجعه ، لأنه كان يعرف قدره ومقداره أكثر من اليسار المغرور الذي يروم اليوم تحقيق وجوده من خلال عقلية إقصاء واستئصال الدين من بلد لا يمكن أن يكون أهله إلا متدينين .
و مع بداية الثمانينات لما بدأت شريحة الشباب المثقف الجامعي ترقى منابر الجمعة تغير موقف اليسار المتعلمن من منبر الجمعة ، وتحول الاستخفاف بخطب الحيض والنفاس والتيمم وتكفين الأموات ـ كما كان ينعتها اليسار سخرية واستهزاء ـ إلى التوجس من خطب تعالج الواقع المعيش خصوصا عندما تلامس الموضوعات المزعجة لليسار وعلى رأسها عودة الدين إلى كل مجالات الحياة. واستمر التحامل على منبر الجمعة بشدة خصوصا بعدما دخل أول حزبي يتبنى النظرة الإسلامية للحياة التجربة السياسية ، وتأزمت الهواجس اليسارية حتى تمخض عنها ما يمكن تسميته بالإسلام ـ فوبيا ، وهي فوبيا تزامنت مع الفوبيا الغربية من الإسلام ، ووقع التقارب الغريب العجيب على حساب الإسلام بين اليسار المتعلمن الذي كان يسبح بحمد الشيوعية والاشتراكية بالأمس القريب ، وبين الرأسمالية والامبريالية عدوة اليسار اللدودة بالأمس القريب أيضا ، وحصل ما يعرف في المثل الشعبي ب: » تحابو الكلاب على كراع الساسي » .
واضطر العديد من اليساريين المتعلمنين إلى التظاهر بالتدين أمام ضغط الصحوة الإسلامية المتنامية ، وصارت المساجد بين عشية وضحاها على رأس اهتماماتهم ، في حين ظلت طائفة منهم تقود الحملات المسعورة ضد الإسلام من خلال بعض رموزه كالصحابي الجليل أبي هريرة ، وإمام المحدثين البخاري ، كما استمرت في مسلسل الاستهزاء والسخرية من المتدينين من مقرئين في رمضان ، ودعاة على الفضائيات ودعاة خارج وداخل المغرب، وصار الحجاب موضوع أفلام الدعارة وظهرت التفاسير المتعلمنة المتعالمة للقرآن الكريم … إلى غير ذلك من التحرشات بالدين التي لا مبرر لها إلا الحقد اليساري المتعلمن على الإسلام. ولما كانت طائفة المتحرشين بالدين والمتدينين من اليسار المتعلمن المجاهرة بعدائها للإسلام لا تحصل طائلا ضد هذا الدين المتمكن من نفوس المغاربة ، فإن الطائفة المتلبسة بالدين من هذا اليسار المتعلمن ، والمتقنعة به ، والتي تظن أنها قد تمكنت من اختراق صفوف المغاربة المتدينين لا زالت تراهن على قدرتها على استهداف الدين بطرق مدسوسة وملتوية من خلال إظهار التدين في الظاهر ، والانخراط في صفوف المتدينين ، وإبطان اليسارية والتعليمن لتخريب الدين بشكل غير لافت للأنظار. ومن هذه الطائفة ظهرت فئة تطفلت على المساجد عن طريق المشاركة في لجان تسييرها ، واعتمدت طريقة التقرب من المكلفين بالشأن الديني من أئمة ومؤذنين وخطباء ووعاظ من أجل تضليل جمهور المصلين ، وخداعهم بتدينها المغشوش رغبة في ابتزاز مصداقية تخول لها التحرك ضد الدين دون إن تثير حولها أدنى شك ممكن في سوء نواياها وطواياها.وهذه الفئة هي التي تستهدف المنبر بشكل كبير حيث تعمد إلى تعبئة المصلين بشكل خبيث ضد كل خطيب أو واعظ يشكل خطرا على يساريتها وتعلمنها المضمر. فإذا ما أعيتهم نسبة العيوب والزلات والنقائص إلى خطيب من الخطباء تارة عن طريق إحصاء أخطائه النحوية أوالصرفية ، بحيث لا يحصلون من خطبه إلا ما تصيدوه عنه من عثرات لغوية ، وكأنهم يحضرون الجمع بأقلام المصححين الحمراء لا بقلوب خاشعة بسماع ذكر الله عز وجل ، وهم لا يعرفون كوعا ومن بوع كما يقال لا في لغة ولا في دين ، وتارة أخرى ينصبون أنفسهم مؤقتين شرعيين فيحاكمون الخطباء في زمن الخطب ، والتهمة الجاهزة عندهم أن هذا الخطيب أو ذاك يطيل على الناس ، ويثقل عليهم ، ومن غرورهم أنهم يجعلون أنفسهم مقياسا يقاس عليه ، ويفتقرون إلى كياسة تجعلهم يدينون أنفسهم عوض عجز يزين لهم أهواءهم ، والقوم قد ضيعوا من أعمارهم وقتا طويلا في المعاصي وهم في أمس الحاجة إلى ساعات طويلة من الوعظ والإرشاد عسى أن ترق قلوبهم التي ران عليها اليسار والعلمنة.
إنها النابتة اليسارية المتعلمنة اللابسة للدين المتلبسة به الماكرة به وبأهله ، والمتربصة به الدوائر عليها دائرة السوء وغضب الله عليها.


5 Comments
الأستاذ الشركي المحترم أرى أن العيب ليس عيب المصلين أبدا ولكن الأزمة أزمة خطباء أنا شخصيا أصلي في مسجد واسع كبير يمتلئ عن آخره ويلقي الخطيب درسا في السيرة ثم يؤذن حوالى الواحدة الا ربع تقريبا ويلقي الخطيب خطبته في هدوء ولم نسمع يوما أن أحد المصلين اشتكى من طول الوقت بل يحضر بعض المصلين من مدن أخرى إذن القضية قضية خطيب وخطبة وقدرة على التبليغ والتواصل وليست قضية مصلين
شكرا لك على هذا الكلام العميق لكن حبذا لو وجه لأولئك الذين صاروا يقتسمون المساجد الجديدة مع إخوانهم وكأنهم يقتسمون إرثا
نحن دائما نلقي اللوم على الآخر إن بعض الخطب تعتبر عقوبة على من يسمعها والعجيب أن بعض الخطباء الذين كانوا في مساجد صغيرة ومع ذلك أفرغوها من المصلين تسند لهم مساجد واسعة وفي الواجهة ماذا سيقع سوى أن من صلى معهم جمعة لن يعود أبدا
أو تتعتقد أن كل من اعتلى المنبر خطيب مفوه؟ أو تعتقد أن الله تعالى تخفى عليه خائنة الأعين و ما تخفي الصدور؟ لنملك الشجاعة و نقول للناس: من حق كل مسلم ان ينقد كل مسلم فكل صاحب رأي يصيب و يخطىء إلا رسول الهدى عليه الصلاة و السلام لأنه لا ينطق عن الهوى . فمن حق المصلي أن يبدي برأيه في دينه الذي هو دين كل المسلمين وليس لأحد الحق في أن يزعم احتكاره كما تحتكر البضاعة
إن من الخطباء أناسا لا فضت أفواههم لهم من الدراية و من المهارة ما يرفع من مستوى المأموم بعد جهل و منهم – وهم كثر مع الأسف- من يهرفون بما لا يعرفون و يسعون إلى دغدغة قلوب الناس بالصياح و الأفاظ الرنانة ليس إلا
كل هذا الكلام خارج سياق النازلة لأن من طلب منك الاختصار رحمة بالمصلين وبالموظفين لم يكن أبدا يساريا ولا علمانيا. بل أراد تنبيهك إلى سنة الاختصار وعدم التطويل الممل وهو عضو لجنة المسجد فكان عليك كتابة مقال في سنة الاختصار وفن الخطابة وهذه توصية من المجلس العلمي كذلك والرجوع إلى الحق فضيلة.