موسم العودة إلى الجنوب، الحلقة الأولى: معاناة المهاجرين المغاربة في الديار الإسبانية، أزمة طويلة أم مرحلة عابرة؟

حل موسم عودة المهاجرين إلى أرض الوطن. ككل مرة في مثل هذه الفترة من السنة تجند السلطات المسؤولة في المغرب كافة الإمكانيات لتيسير عمليات العبور في مختلف الموانئ و المطارات حيث تزدحم نقاط العبور هاته بالعائدين. ما اصطلح عليه اليوم ب »عملية مرحبا » غدا مناسبة يستربح من خلالها قناصي الفرص من مسؤولين و تجار وعملاء و مضاربين و غيرهم.
ويبقى الجديد هذا العام هو تراجع نسبة العائدين و كذا عائداتهم من اليورو، سيما أولئك المقيمين بالديار الإسبانية بعدما صار عدد منهم يعاني الأمرين منذ إرهاصات الأزمة المالية و تبعاتها في هذا البلد بداية السنة الماضية.
فدون أدنى مبالات أو أي اكتراث لا من السلطات المحلية في إسبانيا ولا من الهيئات الممثلة لسفارة المغرب والجمعيات الحقوقية و الإنسانية في هذا البلد، تعرف شريحة عريضة من المهاجرين المغاربة ذوي الوضعيات القانونية السوية إقصاءا اجتماعيا و أوضاعا إقتصادية مأساوية غير مسبوقة. فكثير هم أولئك الذين أفنوا عمرهم في إعادة تأهيل هذا الجزء من شبه الجزيرة الإيبيرية منذ سنوات خلت، يرزحون اليوم تحت كل خطوط الفقر المتعارف عليها. فبين مخالب البطالة التي تطال المزيد من المهاجرين كل يوم من جانب، و النقص في كمية المعونات التي يجود بها من تبقى من محسنين من جانب آخر، لم يعد يتسنى للبعض إنهاء مصاريف الشهر إلا بما يمكن جمعه من فضلات القمامات بعدما انعدمت المداخيل القارة.
تشعر الغالبية من هؤلاء المهاجرين بكثير من خيبة الأمل و الإمتعاض ونكران للجميل من طرف الجميع، سيما عندما تتذكر الماضي القريب حيث كانت الجهات الوصية و غيرها في وسائل الإعلام المغربية تنوه بعائدات الدولة من العملة الصعبة التي يبعث بها هؤلاء و غيرهم، مبالغ ضخمة من الأموال كانت و لا تزال تبعث في شرايين الإقتصاد المغربي الروح بين الفينة و الأخرى ،بل حتى غدت هذه التحويلات في السنوات الأخيرة أهم موارد الإقتصاد الوطني إلى جانب السياحة. أمام هذا الوضع يجد المهاجرون المغاربة في إسبانيا أنفسهم أمام خيارات ضئيلة للتغلب على الأزمة، خيارات لا تراوح في معظمها امتهان ما تبقى من حرف في السوق السوداء، و هي في الغالب ممارسات غير قانونية انجر إليها البعض لما صُدّت كل الأبواب في وجوههم.
فكل يوم تطالعنا الصحف الإسبانية بأخبار تفيد بتورط مهاجرين مغاربة في المتاجرة بأجزاء السيارات المسروقة وكذا المتاجرة في غيرها من الممنوعات. كما نقرأ كثيرا عن شبكات الدعارة التي توظف الفتيات المغربيات اللواتي أتين في الغالب إلى إسبانيا بعقد العمل في المجال الزراعي بالخصوص. و بفعل ضعف التأطير و التوجيه و كذا توفير الحماية الازمة صار عدد من هؤلاء البنات يلجأ للرصيف كلما قل المدخول و دعت الضرورة لذلك، و بات من الفتيات من تحمل اليوم فيروس الإيدز جراء عدم الدراية بخطورة المرض و كذا بفعل مداومة النشاط والتعود عليه في ظل غياب وسائل الوقاية.
خيار العودة إلى البلد الأم لا يلقى الترحيب بالمرة حيث يعده الكل مغامرة غير محسوبة العواقب إن لم نقل ضربا من المستحيل.
فمهما اشتدت الظروف و تأزمت يفضل الجميع البقاء في « الإيلدرادو » ومتابعة الحياة اليومية رغم قساوتها على أمل تحسن الظروف ولو في السنين المقبلة. الكل يمني النفس بعودة الرواج الإقتصادي في إسبانيا إلى سابق عهده، و بالتالي استئناف الشغل و الحياة العادية. فإلى جانب غياب مثل هذا الأمل في الوطن الأم و كذا عدم الثقة في المستقبل فيه، ينضاف عامل آخر يساهم بدوره في إجماع الكل مع التصميم على رفض فكرة الرجوع، و يتمثل الأخير في الموقف السلبي للمحيط الإجتماعي في المغرب. فالرجوع من بلاد المهجر أيا كانت بخفي حنين يعتبر أمرا مرفوضا البتة و حيث مقولة « آجِي وجِيب وإلا بْقا تْما » نافذة المفعول في أُسر و أقارب المغتربين. كما أن الراهن الإقتصادي غبر مستعد لتحمل عبء بطالة إضافية ما دامت العودة إن تمت تقتضي من هؤلاء البداية من الصفر إن كانت هناك نقطة بداية. و هذا ما يبرر رفض الخيار المطروح.
حيال هذه الأزمة تقترح السلطات الإسبانية من جانبها بديلا هو الآخر غير مقبول جملة و تفصيلا. يقضي المقترح الإسباني بتعويض العاطلين المغاربة على أراضيها بمبالغ مالية زهيدة في مقابل عودتهم لبلادهم مع تخليهم عن أوراق الإقامة و تنازلهم عن مستحقاتهم و عدم العودة لإسبانيا لمدة ثلاث سنوات على الأقل. و يرى المغاربة في هذا الأمر بشروطه إجحافا في حقهم إذ يحظى غيرهم من المهاجرين اللاثنيين خصوصا بامتيازات أكبر في عمليات التعويض هاته، التي تجعل أمر العودة فرصة العمر بفضلها يتمكن العديد منهم من الإستقرار بشكل كريم في بلدانهم.
غير كل هذا، تصعب العودة نظرا للفارق الكبير في نظام و نمط الحياة العامة بين تلك الأروبية و نظيرتها في الوطن، فالجميع يستبعد فكرة الرجوع للوراء والتأقلم من جديد مع تزمت الإداريين و استهتار المسؤولين و عدم مبالات السائقين و كثرة الإنتهازيين في البلد الأم.
فرغم أن عدد من المغتربين لا زالو قريبي العهد بهكذا نظام في الوطن، إلا أن التجربة الإسبانية في هذا المجال كانت كفيلة بإقناع الجميع بالسير على النمط الأروبي و التزام الأخلاق العامة و بضرورة احترامها. و بالتالي التخلي عن الأشكال و التعاملات الرجعية التي لا زالت تعيق مسيرات التنمية في المغرب من رشوة و شراء ذمم و تجاوزات وانتهاكات وغيرها.
أمام هذا الوضع تبقى الجهات الوصية عن المهاجرين المغاربة في إسبانيا صامتة غير عابئة، مكتوفة الأيدي لا تعير أدنى انتباه لخطورة الوضع و مأساويته. وكل ما يهم هذه الجهات الآن هو مدى الإهتمام بالوافدين من دول أخرى أقل تضررا من الأزمة العالمية، حيث لا يذخر المسؤولون عن القطاع جهودهم في الدعاية لأفراد الجالية القادمين بتوفير أسباب الراحة أثناء العودة السنوية، رغم أن الواقع المرير ينكشف بمجرد ما يصل المغتربون إلى مرسى طنجة أو باب سبتة و غيرها من نقط العبور لتبدأ مآسي أخرى هناك عند أول لقاء.
أكثر من أي وقت مضى يجد الرعايا المغاربة في الديار الإسبانية بمختلف وضعياتهم القانونية، أنفسهم في حاجة لسند معنوي على الأقل في المرحلة الراهنة. فغاية الطلب أن ينتبه المسؤولون في المغرب إلى وضعية هذه الفئة و العمل على إيصال صوتها و مطالبها للوقوف أمام الإجحاف الذي مابرح يطالها و العنصرية التي تلاحقها. فالإحساس بالعزلة و الوحدة في هذه المتاهة يدفع بالكثير إلى الإقدام على عمل أي من شأنه إلحاق الضرر ليس فقط بهؤلاء ولكن أيضا بسمعة المغرب في الخارج.



Aucun commentaire