حديث الجمعة : (( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ))

حديث الجمعة : (( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ))
محمد شركي
لا زال الحديث متواصلا عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت الإشارة إليها في كتاب الله عز وجل ، ومنطلق حديث هذه الجمعة هو الآية الكريمة التسعين من سورة الأنبياء التي يقول فيها الله تعالى متحدثا عن نبيه زكرياء وزوجه وابنه النبي يحيى عليهم السلام : (( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين )) . وإذا ما وصلنا هذه الآية الكريمة بقوله تعالى في الآية الكريمة التسعين من سورة الأنعام التي خاطب فيها الله تعالى رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام متحدثا عن رسله وأنبيائه الكرام صلواته وسلامهم عليهم أجمعين بقوله : (( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )) ، فإن صفات وأحوال نبي الله زكرياء وزوجه وابنه يحيى عليهم السلام قد وجبت بالضرورة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بموجب أمر الله تعالى له بالاقتداء بالمرسلين ، وعليه فإنه صلى الله عليه وسلم كان بدوره يسارع في الخيرات، ويدعو ربه رغبا ورهبا ،وكان له خاشعا ، وهذه من صفاته ومن أحواله صلى الله عليه وسلم ، وبيان ذلك كالآتي :
أما الخيرات فهي جمع خير، وهو كل ما فيه نفع يعود على صاحبه أوعلى غيره من الخلق، والمسارعة هي كثرة وشدة السرعة في فعل الخيرات، وهي حال تدل على منتهى الجد في طلبها وعلى شدة الحرص عليها ، وعلى صرف الهمة كليا لفعلها . وبناء على هذا فالصفة الملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان مسارعا في كل الخيرات على اختلاف أنواعها والتي كانت تعود بالنفع على كل المخلوقات من بشر وغيرهم سواء كانت أفعالا أو أقوالا ، وبناء على هذا فإن سنته صلى الله عليه وسلم الفعلية والقولية والتقريرية كلها عبارة عن خيرات كان يسارع فيها ابتغاء مرضاة ربه سبحانه وتعالى سيرا على نهج المرسلين صلوات الله وسلامهم عليهم أجمعين الذين هداهم الله تعالى إلى صالح الأعمال وأمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم في ذلك .
وأما الدعاء رغبا ورهبا فهو عبادة الله عز وجل عبادة يكون العابد فيها بين حالي الرجاء والخوف ، علما بأن الرغب هو بلوغ أقصى درجة الرجاء ، كما أن الرهب هو بلوغ أقصى درجة الخوف . ومن بلغ هاتين الدرجتين فقد بلغ منتهى ما تقتضيه عبادة الله تعالى الحقة ،لأن الرغب يحفزه على بذل منتهى الجهد فيها ، كما أن الرهب يحول بينه وبين التقصير فيها ، وهذه الحال هي منتهى الطاعة لله تعالى التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه راغبا وراهبا في عبادته .
وأما الخشوع فله صلة بالرهب يستشعره القلب، وقد تكون له أعراض ظاهرة من قبيل ذرف الدمع أو قشعيرة الجلد أو خفقان القلب كما جاء في الآية الكريمة الثالثة والثمانين من سورة المائدة التي ذكر فيها الله تعالى حال القسيسين والرهبان من النصارى حين كانوا يسمعون ما أنزل من القرآن الكريم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : (( وإذا سمعوا ما أنزل على الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين )) . وقد لا تظهر علامات ظاهرة على الخشوع عند البعض ممن يحذرون الرياء ،ولله تعالى شؤون في أحوال الخاشعين ، وسيد الخاشعين على الإطلاق في الحالين رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال : » قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ عليّ القرآن ، قلت : آقرأ عليك ،وعليك أنزل ؟ قال : فإني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت : (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا )) قال : أمسك ، فإذا عيناه تذرفان » .
فإذا ما اجتمع في رسول الله صلى الله عليه ما اجتمع في نبي الله زكرياء وزوجه وابنه النبي يحيى عليهم السلام من مسابقة في الخيرات، ومن دعاء الرغب والرهب، ومن الخشوع اكتملت صفاته وأحواله في هذا المنحى ، وكانت من تجلياتها ما نوه به الله تعالى من عظيم خلقه عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام .
مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا تذكير المؤمنين بصفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي اقتدى فيها بنبي الله زكريا وزوجه وابنه النبي يحيى عليهم السلام ، وثانيا دعوتهم إلى التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم فيها حيث يلزمهم من خلال أمر الله تعالى لهم بذلك أن يحرصوا على المسارعة في الخيرات على اختلاف أنواعها مادية ومعنوية ،وأن يلازم عباداتهم الرغب والرهب ، ويلازمهم الخشوع ما أخفوا منه وما غلبوا على إظهاره دون تكلفه تنكبا للوقوع في ما يفسده من رياء أو غيره .
وما أحوج الأمة المؤمنة اليوم إلى المسارعة في الخيرات وقد كثرت الشرور في هذا الزمان واستفحل أمرها ،وطبّع الناس معها تطبيعا ، كما أنه ما أعوجهم إلى رغب يحذوهم إلى فعل الخيرات ، وإلى رهب يحول بينهم وبين فعل الموبقات ، وخشوع يلازمهم في كل أحوالهم خصوصا وهم يخضون غمار حياة أصبحت تعج بما يصد عن حسن الطاعة و حسن العبادة وقد كثر دعاة المعاصي والموبقات يروجونها ترويجا كما تروج السلع والبضائع، وكثير من الناس يقبلون عليها غير آبهين بسخط الله تعالى وغضبه والعياذ به من ذلك .
اللهم إنا نسألك الثبات على الأمر ، والعزيمة على الرشد ، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ، ونسألك حسن عبادتك وشكر نعمك ، ونسألك قلوبا سليمة و ألسنة صادقة ، ونسألك من الخير ما تعلم ، ونعوذ بك من الشر ما تعلم ، ونستغفرك لما تعلم إنك أنت علاّم الغيوب .
اللهم إنا نسألك نصرا مبينا لدينك في المعمور ، فانصر اللهم من نصره ، واخذل اللهم من خذله ، واجعل الدائرة عليهم وخذهم أخذك الأليم يا عزيز ويا مقتدر .
اللهم إن لك عبادا في بيت المقدس وأكنافه أنت أعلم بهم وبما يعانون من محتل ظالم بغيض يسومه سوء العذاب وقد خذلهم الخاذلون ، ولا ناصر لهم إلا أنت سبحانك وأنت نعم النصير، اللهم عجل لهم بفرج قريب من عندك ، وانصرهم اللهم نصرا عزيزا على من ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم فإنهم لا يعجزونك فأنت عليه قادر وفوقه قاهر ولك الأمر كلها وإليك يعود الأمر كله ولا حول ولا قوة إلا بيدك عز سلطانك ، وجل ثناؤك ، وتقدست أسماؤك .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .




Aucun commentaire