حديث الجمعة : (( إِنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ))

حديث الجمعة : (( إِنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ))
محمد شركي
يتواصل حديثنا في هذه الجمعة إن شاء الله تعالى عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في كتاب الله عز وجل ، ويتعلق الأمر بقوله في تعالى الآية الكريمة الواحدة والخمسين من سورة غافر : (( إِنّا لننصر رسولنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )) . وقبل الخوض في دلالة هذه الآية الكريمة، نكر أن لها علاقة بحديثين سابقين تضمن الأول إشارة إلى أمر الله تعالى رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام بالاقتداء بمن سبقه من المرسلين، وذلك في الآية الكريمة التسعين من سورة الأنعام التي يقول فيها الله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم : (( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ))، وفي وقوفنا عند هذه الآية سردنا ما قبلها مما ذكر فيه أسماء أنبياء ثم عرضنا صفات خليل الله إبراهيم عليه السلام ، ونسبناها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بموجب أمرالاقتداء بالمرسلين الذي أمره به ربه سبحانه وتعالى . وأما في الحديث الثاني فقد وقفنا عند الآية الكريمة الثالثة والخمسين بعد المئتين من سورة البقرة التي يقول فيها الله عز وجل : (( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيدناه بروح القدس )) وتعرضنا فيها إلى صفات كليم الله موسى عليه السلام ، وصفات روح الله المسيح عيسى ابن مريم ، ونسبنها أيضا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بموجب أمر الله تعالى له بالاقتداء بالمرسلين مع التأكيد على أن الآية تضمنت الإشارة إلى رفعة درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي الآية الكريم موضوع حديث هذه الجمعة يستوقفنا وعد الله تعالى رسله صلواته وسلامه عليهم أجمعين بالنصر في الدنيا وفي الآخرة هم ومن آمنوا بهم ، وهو ما يدل على أن من صفاتهم أنهم منصورون نصر الدنيا والآخرة ويشاركهم في هذا النصر المؤمنون بهم . ولقد تحدث القرآن الكريم في العديد من الآيات عن نصر الله تعالى رسله على أقوامهم الذين كذبوهم وكفروا بما جاءوهم به من عنده، فأهلكهم بأنواع من العذاب إما ريح عاتية مدمرة أو صيحة مصعقة أوغرق بطوفان أو بحر أو حاصب أو ظلة … كما جاء في الآية الكريمة الأربعين من سورة العنكبوت التي يقول فيها الله تعالى : (( فكلاً أخذنا بذنبهم فمنهم من أرسنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )) .
ولقد ذكر الله تعالى في محكم التنزيل كل نوع من أنواع العذاب الذي سلطه على الأقوام الكافرة التي كذبت رسلها، فكان عذاب قوم نوح الغرق بطوفان كما جاء في الآية الكريمة الرابعة والستين من سورة الأعراف التي يقول فيها الله تعالى مخبرا عن ذلك : (( فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين )). وكان عذاب عاد قوم هود الريح العاتية كما جاء في الآية الكريمة السادسة من سورة الحاقة التي يقول فيها الله تعالى : (( وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية )) . وكان عذاب ثمود قوم صالح الصيحة أو الرجفة كما جاء في الآية الكريمة الواحدة والتسعين من سورة الأعراف التي يقول فيها الله تعالى : (( فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين )) . وكان عذاب قوم لوط الحجارة والخسف كما جاء في الآية الكريمة الثانية والثمانين من سورة هود التي يقول فيها الله تعالى : (( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل )) . وكان عذاب فرعون وجنده زمن نبي الله موسى الغرق في البحر كما جاء في الآية الكريمة الخمسين من سورة البقرة التي يقول فيها الله تعالى : (( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون )) . وكان عذاب قوم نبي الله شعيب أصحاب الأيكة الظلة أي الحر الشديد كما جاء في الآية الكريمة التاسعة والثمانين بعد المائة من سورة الشعراء التي يقول فيها الله عز وجل : (( فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم )).
وكل تلك الأنواع من العذاب إنما سلطها الله تعالى على الأقوام الكافرة والمشركة والمكذبة برسله انتصارا لهم ولمن آمن معهم ، وبذلك كان من صفات أولئك المرسلين أنهم منصورون ، وعليه فإن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجبت له هذه الصفة التي وعد بها الله تعالى المرسلين وأتباعهم من المؤمنين حيث نصره الله تعالى يوم الفرقان ببدر ، وفي موطنعدة . ويترتب عن هذه الصفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداء بإخوانه المرسلين قد سارعلى نهجهم في تبليغ رسالته الخاتمة ، فحاز بذلك أيضا صفة المبلغ ، وواجه بعزم أكيد الذين كفروا وأشركوا وكذبوه كما فعل المرسلون من قبله. ومعلوم أن النصر يكون بعد مواجهة أو نزال بين طائفتين إلا أن جل المرسلين كانوا يواجهون أقوامهم لوحدهم مع فئة قليلة ممن آمنوا به دون نزال وهم مستضعفون، وبالرغم من ذلك كان الله عز وجل ينجز وعده الذي وعدهم بالنصر هم ومن آمنوا بهم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم منصورا وحده وثاني اثنين في الغار وكان منصورا بعدما صار له جند في نزاله مع المشركين .
مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بصفتين من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم يفهمان من سياق آيات قرآنية ورد فيها ذكر مرسلين أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بهم، وهما صفة المنصور بالله وصفة المبلغ عنه سبحانه وتعالى، والأمر الثاني هو دعوتهم إلى التأسي والاقتداء برسول الله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام في التبليغ عن الله عز وجل انطلاقا من آي الذكر الحكيم وأحاديث سيد المرسلين ، ولا شك أن هذا التبليغ يكون بلسان المقال ولسان الحال الذي يؤكده كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقد وعد الله عز وجل وعده الناجز الذين يبلغون عنه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بالنصر المبين في الحياة الدنيا ويوم القيامة حين يقوم الأشهاد من المرسلين ومن الذين آمنوا بهم . ولقد ظل نصر الله تعالى المؤمنين بعد التحاق رسوله صلى الله عليه وسلم به في فترة الخلافة الراشدة وما تلاها من عصور ، وسبقى وعد الله عز وجل قائما وناجزا إلى قيام الساعة لا يكذبه ، ولا يشكك فيه إلا من حرموا نعمة الإيمان واليقين ممن يستعظمون قوة الكافرين والمشركين والطغاة الظالمين، وينسون أن الله تعالى قاهر فوقهم كما قهر من كانوا من قبلهم . وما قص الله تعالى علينا أنباء الهالكين بعذابه من الأقوام الظالمة الماضية إلا لتذكيرنا بقوته سبحانه وبوعده الناجز لعباده المؤمنين حين يواجهون الكفار والمشركين دفاعا عن دينهم .
ومن وعد الله تعالى الناجز بالنصر للمؤمنين أنه أحيانا يواجه المؤمن الواحد غيره في مناظرة أهل الكفر والشرك، فيغلبهم ويبزهم، وذلك نصر من الله تعالى .
وما دمنا نعيش في ظرف دقيق الحساسية يُستهدف فيه الإسلام في بلاد المسلمين من طرف أعدائه وهم كُثْر ويستعينون بذلك بمنافقين تنكروا لدينهم ، فإن الأمة المؤمنة يتعين عليها أن تثق في وعد الله تعالى الناجز وهو النصر على أعداء دينها كلما استهدف بأي شكل من الأشكال أو أسلوب من الأساليب الماكرة وما أكثرها اليوم وهم يشككونهم في ما ترسخ في قلوبهم وعقولهم من إيمان و في يقينهم لزعزة ثباتهم على دينهم .
اللهم إنا نسألك الثبات على الأمر والعزيمة على الرشد ، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ، ونسألك شكر نعمته وحسن عبادتك، ونسألك قلوبا سليمة وألسنة صادقة ، ونسألك من الخير ما تعلم ، ونعوذ بك من الشر ما تعلم ، ونستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب.
اللهم انصر من نصر دينك ، واخذل من خذله ، وعجل لإخواننا المرابطين في بيت المقدس وأكنافه بفرج قريب ، ونصر مبين إن أعدائهم وأعداءك لا يعجزونك وأنت فوقهم قاهر .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .




Aucun commentaire