Home»Islam»حديث الجمعة : (( تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيدناه بروح القدس ))

حديث الجمعة : (( تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيدناه بروح القدس ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيدناه بروح القدس ))

محمد شركي

كان منطلق حديث الجمعة الفارطة هو قول الله تعالى في الآية الكريمة التسعين من سورة الأنعام : (( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )) ، وأشرنا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز فضائل وشمائل وصفات المرسلين من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لكونه خاتمهم، ولأن الله تعالى تعبّده بالاقتداء بهم . ووقفنا عند حيازته صلى الله عليه وسلم  صفات خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي ورد ذكرها في القرآن الكريم .

وفي حديث هذه الجمعة سيكون منطلقه إن شاء الله تعالى الآية الثالثة بعد المائتين من سورة البقرة  التي يقول فيها جل شأنه: (( تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيدناه بروح القدس )) ، وهي آية تضمنت الإشارة إلى تفضيل الله عز وجل بعض رسله على بعض بما خصّهم به من تشريف ومن معجزات ، و قد خص الله تعالى منهم بالذكر كليمه موسى عليه السلام ، فكان تكليمه له تفضيلا له ، كما خص بالذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام وشرفه بمعجزات منها إحياء الموتى بإذنه تعالى وإبراء الأكمه والأبرص ، والخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذنه تعالى ، وإخبار قومه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، كل ذلك تأييد لرسالته التي أنكرها بنو إسرائيل ، وكان ذلك مما فضله به الله تعالى كما فضل موسى عليه السلام بكلامه .

ولقد ورد في كتب التفسير أن  قول الله تعالى في هذه : (( ورفع بعضهم درجات )) وهو قول توسط ما بين ذكر فضل موسى وذكر فضل عيسى عليهما السلام إنما خص به الله تعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد رقع من قدره على جميع المرسلين  صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين  ، وبيان ذلك أن  معجزة القرآن الكريم التي آتاه الله تعالى فاقت ما أوتي جميع المرسلين من معجزات كان الله تعالى يؤيدهم بها حين يواجهون جحود رسالاتهم من أقوامهم . ومن عظمة معجزة القرآن الكريم أنها آية للعالمين إلى قيام الساعة، بينما كانت معجزات المرسلين من قبله لأقوام بعينهم وانتهت بانتهاء رسالات المرسلين الذين بعثوا فيهم ، بينما ظلت معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمة بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وهي حجة على الناس إلى نهاية العالم ، وفيها تحد لهم فضلا عن كونها تتضمن من الأدلة على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم ما ينكشف للناس في كل زمان مهما تطورت حياتهم ، فيدرك كل جيل منهم ما يقنعه منها  ، وهو سر إعجاز كتاب الله تعالى مضمونا ،فضلا عن سر إعجازه نظما وصياغة وقد تحدى الله تعالى كل الخلق إنسهم وجنهم بعضهم لبعض ظهيرا أن يأتوا بمثله كما جاء في الآية الكريمة الثامنة والثمانين من سورة الإسراء التي يقول فيها عز من قائل  مخاطبا رسوله : (( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا )) ، وهذا يدل على أن الله تعالى  قد رفع من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزة الخالدة التي تشهدها البشرية قاطبة  وجعل قدره فوق أقدار ودرجات جميع المرسلين.

وتجدر الإشارة إلى  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الاقتداء بالمرسلين الذي به أمره الله تعالى  قد حاز مرتبة أولي العزم منهم كما جاء ذلك في الآية الكريمة الخامسة والثلاثين من سورة الأحقاف  التي يقول فيها الله عز وجل مخاطبا رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات والسلام : (( واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل …))، ولما كان موسى وعيسى عليهما السلام  كليهما من أولي العزم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تخلق بعزمهم وصبرهم .، وبصبر إبراهيم الخليل ونوح عليهما السلام  وهما من أولي العزم أيضا. ولقد أجمع المفسرون على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعلاهم مرتبة في العزم والصبر ، وذكروا بعده الخليل عليه السلام  ثم اختلفوا فيمن جاءوا بعدهما ،إلا أن المهم أنهم جميعا أولو عزم مع فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم .

وزيادة على مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولي العزم في عزمهم وصبرهم ، فإنه تخلق بأخلاقهم كما هو شأنه مع كليم الله موسى عليه السلام الذي وصفه الله تعالى بالقوة والأمانة في الآية الكريمة السادسة والعشرين من سورة القصص إذ قال على لسان إحدى  المرأتين اللتين سقى لهما : (( قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ))، وتجدر الإشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوصف  أيضا بالأمين قبل أن ينزّل  عليه الوحي، وكانت هذه الصفة فيه سجية و طبعا واصطفاه الله تعالى بها إعدادا له لحمل أعظم الرسالات ، كما أنه كان أيضا قويا يخوض الغزوات مع صحابته الكرام .ومن  صفات موسى عليه السلام التي شاركه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاء بالعهد كما ذكر الله تعالى في الآية الكريمة التاسعة والعشرون من سورة القصص أيضا : (( فلما قضى موسى الأجل .. الآية. ))، وكان هذا الأجل عهدا بينه وبين من أنكحه ابنته لم يخلفه، بل أنجزه بتمامه . ولقد كان يقين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله تعالى كيقين كليم الله موسى عليه السلام كما جاء في الآية الكريمة الثانية والستين من سورة الشعراء التي قال الله تعالى فيها  : (( فلما ترآى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين )) ، وكذلك كان شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليقين بالله تعالى ساعة الزحف، وكان يخوض كل غزواته  مع أصحابه بهذا اليقين اقتداء بمن أمره ربه سبحانه وتعالى السيرعلى نهجهم  من المرسلين . ومن صفات نبي الله موسى عليه السلام التي حازها رسول الله صلى الله عليه وسلم  أيضا صفة العلم الذي آتاه الله تعالى إذ أنزل عليه التوراة  التي صدقها القرآن الكريم وهيمن عليها كما ذكر الله تعالى ذلك في الآية الكريمة الثامنة والأربعين من سورة المائدة حيث قال مخاطبا رسوله الكريم : (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه )) .

ومما حازه  رسول الله صلى الله  عليه وسلم من صفات نبي الله عيسى عليه السلام ما ذكره الله تعالى في الآيات الكريمة الثلاثين، والواحدة والثلاثين، والثانية والثلاثين من سورة مريم حيث قال على لسان المسيح عليه السلام : (( قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا )) ،فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق أمر الله تعالى له بالاقتداء بالمرسلين مقرا بعبوديته لربه سبحانه وتعالى كما أقر بذلك  نبي الله عيسى عليه السلام ، وكان صاحب كتاب مصدقا للإنجيل المنزل عليه ومهيمنا عليه ، وكان مباركا  مثل المسيح عليه السلام حيثما كان ،  ومقيما للصلاة ومؤديا للزكاة ما أحياه الله تعالى ، وكان بارا بأهله  وعشيرة وإن كان لم يدرك والديه  ولكنه كان يدعو لهما بالرحمة والمغفرة برا بهما ، ويقف على قبر أمه آمنة بنت وهب برا بها  . وكان بره كبرالمسيح بوالدتها  . وكان بتبرأ من الجبروت ومن الشقاوة كما تبرأ  منهما المسيح عليه السلام .

وتجدر الإشارة إلى أن الله تعالى لم  يثبت  في الآية الكريمة موضوع حديث هذه الجمعة  رفعة رسوله صلى الله عليه وسلم بين ذكره فضل موسى وفضل عيسى عليهما السلام  إلا لأنه حاز عنده ما فضلنهما به من صفات وشمائل .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بما حازه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفات نبيّي الله موسى وعيسى عليهما السلام وبما فضلهما  الله تعالى ، وثانيا حثهم على التأسي والاقتداء به عليه الصلاة والسلام فيما حازه من صفاتهما خصوصا ونحن في ظرف شديد الدقة يجهز فيه أعداء الرسالة الخاتمة عليها ، ويتجاسرون على شخص النبي الكريم ، ويشجعون على ذلك بعض السفهاء من المحسوبين على دين الإسلام  من أجل تضليل الأغرار من أبناء المسلمين ومن عامتهم لبث الشكوك في نفوسهم بخصوص مصداقية دين الإسلام وتعاليمه .

وإنه ليجدر بأمة الإسلام رجالها ونساؤها وشيبها وشبابها أن تقبلوا كبير الإقبال  على الرسالة الخاتمة  تعلما، ومدارسة، وحفظا ،وتدبرا  ونخلقا من أجل ترسيخ الإسلام والإيمان في نفوسهم، ومعرفة خالقهم سبحانه وتعالى حق المعرفة، ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم وتشرب شريعة الله تعالى سلوكا ومعاملة مع الثبات عليها والعض  عليها بالنواجذ  من أجل مواجهة الهجمة الشرسة التي تشن على القرآن الكريم وعلى سنة سيد المرسلين وإحباط مؤامرة خطير وخبيثة وفي غاية المكر تحاك ضدهما ، وقد جند لها بعض من خانوا أمانة الإسلام للحيلولة دون صلة هذه الأمة بكتاب ربها وسنة رسولها بغية تضليلها وإبعادها عن سبيل الرشاد تحت شعارات بمسميات مستوردة  من قاموس أعداء الإسلام بعدما تبين لأصحابها أنها أمة لا يمكن أن تقهر أو تغلب ما دامت على صلة بالرسالة العالمية الخاتمة التي لا خلاص للبشرية إلا بالتمسك بها لأنها حبل الله المتين .

اللهم إنا نسألك الثبات على الأمر ، والعزيمة على الرشد ، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ، ونسألك شكر نعمك وحسن عبادتك ، ونسألك القلوب السليمة والألسنة الصادقة ، ونسألك الخير الذي تعلمه ، ونعوذ بك من الشر الذي تعلمه ، ونستغفرك لما تعلم ، إنك أنت علاّم الغيوب.

اللهم كن وليا ونصيرا لأهل بيت المقدس وأكنافه ، وأعنهم على الثبات على الحق لا يضيرهم من خالفهم أو خذلهم .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ،وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *