Home»Islam»حديث الجمعة : (( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ ربك فَحَدِّثْ ))

حديث الجمعة : (( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ ربك فَحَدِّثْ ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ ربك فَحَدِّثْ ))

محمد شركي

استمرارا لعرض صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في كتاب الله عز وجل، ننطلق  إن شاء الله تعالى من الآية الكريمة العاشرة من سورة الضحى، وهي آخر أية فيها ،والتي يقول فيها الله تعالى مخاطبا رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام  : (( وأما بنعمة ربك فحدث )). وقبل الخوض فيما تتضمنه هذه الآية الكريمة مما له صلة بموضوع حديث هذه الجمعة، ننوه بما جاء في كتب التفسير أن مخاطبة الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم  بلفظة  » ربك  » يدل على إشعاره بعنايته  به عز وجل وتشريفه ولطفه به  تحببا .

ومعلوم أن  سبب نزول سورة الضحى هو حدث انقطاع الوحي عنه صلى الله عليه وسلم  لبضعة أيام  بحيث لم  يسمعه المشركون وهو قائم يتلو القرآن الكريم كعادته ، فظنوا أن  الوحي قد انقطع عنه سببه إعراض الله تعالى عنه ، وصاروا يعيرونه ويشمتون به  بقولهم :لقد  ودّعك ربك وقلاك أي فارقك وانصرف عنك وأبغضك ، فرد الله على قولهم بهذه السورة التي أثنى فيها على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بما هوأهل له مستعرضا نعمه الجلى عليه، وعلى رأسها نعمة النبوة و الرسالة ونعمة الوحي، ونعمة الشفاعة الكبرى يوم العرض على الله عز وجل… وغيرها من النعم التي لا حصر ولا عد لها.

وتتضن  هذه الآية الكريمة موضوع هذا الحديث لهذه الجمعة  إشارة إلى صفة من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال من أحوال وهو يتحدث بنعم الله تعالى عليه ، والحديث بهذه النعم هو في حد ذاته شكر لها الذي هو القصد والغاية  من التحدث بها ،وعليه فمن صفاته صلى الله عليه وسلم أنه محدث بنعم ربه وشاكر لها  بل هو سيد الشاكرين العارف بفضل الله تعالى عليه معرفة لا يدرك شأوها غيره  . ولقد أشار بعض المفسرين إلى أن تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم بما أنعم  به الله تعالى عليه  في العاجل والآجل يدخل ضمن مهمة التبليغ عن الله تعالى وكذا مهمة الدعوة إليه إذ التحدث بتلك النعم يرغِّب الناس في الإيمان ويطمعهم أكثر في  التطلع إلى مزيد من نعم الله تعالى عليهم الذي يعد الشاكرين بالزيادة  ، وعليه فالرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب كونه محدثا بنعم الله تعالى عليه، فهو شاكر لها ، وهو داع إلى ربه ومُرَغِّب الناس في الإيمان به ،ومعلمهم شكر نعمه .

وبناء على القاعدة القائلة إن أوامر الله تعالى الموجهة إلى رسوله في القرآن الكريم نوعان : نوع خاص به ، وآخر يشترك معه فيه عموم المؤمنين ، فإنهم إن آمِنُوا على أنفسهم الرياءَ جاز لهم التحدث بنعم الله عليهم ترغيبا لغيرهم في نشدانها ،واستخدام التحدث بها وسيلة إلى الدعوة إليه عز وجل . ومعلوم أن تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم بنعم ربه عليه لا رياء فيها ،لأن الله تعالى قد عصمه من ذلك، كما أن مهمة التبليغ عن الله تعالى جعله منزها عما قد يقع فيه عموم الناس من رياء إن هم حدثوا بالنعم.

ولما كان المشركون قد أرادوا النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين زعموا أن الله تعالى ودّعه وقلاه ، فإن الله تعالى أمر أن يحدث بنعمه عليه لدحض زعمهم وإحباط مبتغاهم . وسورة الضحى في حد ذاتها تتضمن إشارات إلى نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مباشرة بعد تكذيب المشركين فيما زعموه وهي نعمة إيوائه في يتمه حيث قيض له من يتولى تربيته إعدادا له لحمل الرسالة علما  بأن اليتم قد يكون حائلا دون حصول الأيتام على تربية  سوية  وإعدادا جيد يؤهلهم للصلاح للاستقامة  والصلاح ، وهو ما لم يتأثر به رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكر الله بعد ذلك نعمة هدايته من الضلال وهذا  لا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ضالا ضلالا قومه المشركين بل كان ينشد الهداية  تمام كالراغب في قصد معين  يبحث  له عن سبيل يفضي إليه ،علما بأنه قد  نشأ عليه الصلاة والسلام  معرضا عن الشرك  إذ كان يتحنثه بغار حراء  قبل أن يأتيه الوحي  . وذكر الله تعالى بعد ذلك نعمة  إغنائه  غنى روحيا   خصه به الله تعالى وهو غني النفس في فترة فقره ثم أغناه الله تعالى غنى ماديا  لما قيض له خديجة بنت خويلد زوجة ،وكانت موسرة فأشركته معها في تجارتها، وكفى بذكر هذه النعم إفحاما لمن زعموا أن الله تعالى قد ودعه وقلاه  بانقطاع الوحي عنه . وحديثه بهذه النعم هو حديث شكر وامتنان أمره الله تعالى به  ليكون وسيلة لدعوة المؤمنين إلى واجب الرأفة والرحمة بالأيتام  فلا يقهروا وذلك بحسن معاملتهم ، وبالمحاويج  فلا ينهرون إذا ما استجدوا، بل  يرفدون غير منكسرة قلوبهم . وأمر الله تعالى رسوله خيرا بالأيتام والمحاويج يؤكد أنه كان عليه الصلاة والسلام رؤوفا رحيما ورفيقا  بهؤلاء، فضلا عن كونه محدثا بنعم الله تعالى عليه شاكرا لها.

مناسبة حديث هذه الجمعة  هي أولا تذكير المؤمنين بصفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ضمنها الله تعالى في سورة الضحى وقد استهلها سبحانه وتعالى بقسم بقدرته على خلق الضحى المضيء والليل الساجي، و فيهما  كانت  لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال تتجلى في تلقيه  فيهما القرآن الكريم  والقيام به ، أما صفته وحاله الأولى فهي كونه  كان محدثا بنعم الله تعالى عليه وهي صفة وحال تستوجب صفة وحال شكر تلك النعم ، وفضلا عن ذلك تستفاد صفة وحال رحمته ورأفته وهما مستوحيتان من أمر الله تعالى له بألا يقهر يتيما ولا ينهرسائلا علما بأنه عليه الصلاة والسلام كان أعبد خلق الله لله تعالى مؤتمرا بأوامره ومنتهيا عن نواهيه .

والأمر الثاني الذي يتوخاه هذا الحديث لهذه الجمعة هو حث المؤمنين على التأسي والاقتداء به في هذه الصفات والأحوال مع الاحتراز بحديثهم عن نعم الله تعالى عليهم من أن يخالطه الرياء الذي عصم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أمنوا على أنفسهم من الوقوع في الرياء، فلا بأس بحديثهم بما أنعم الله تعالى عليهم خصوصا نعمة الاستقامة وحسن  العبادة والاجتهاد فيها  لأن في ذلك  شكرا لله تعالى على إنعامه وهو الذي وعد الشاكرين بمزيد إنعام . ومما يجب على المؤمنين التأسي والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم الرحمة والرأفة باليتامى فلا يقهرون، وبالسائلين فلا ينهرون.

وما أحوج الأمة المسلمة اليوم وفي هذا الظرف  العصيب بالذات الذي يستهدف فيه دينها وكتاب ربها و شخص رسولها صلى الله عليه وسلم من طرف شرذمة مارقة من الدين من العلمانيين الذين يتعمدون من جهة النيل من عاطفة المؤمنين الدينية حقدا عليهم من عند أنفسهم ، ومن جهة أخرى يطمعون  في استدراج ضعاف الإيمان منهم إلى ما هم عليه من ضلال مبين وذلك لتوسيع قاعدة وجودهم في المجتمع ونشر إلحادهم المبطن عند بعضهم والمكشوف عند البعض الآخر سعيا وراء تحقيق ما يسمونها مدنية المجتمع يقصدون بذلك مجتمعا بلا دين وبقوانين وضعية تحل مع شرع الله تعالى المستعان على ما يصفون .

اللهم إنا نسألك إيمانا صادقا ويقينا به  ثابتا ،ونسألك اللهم عونا منك على شكر نعمك وحسن عبادتك  ، واجعل اللهم نبيك ورسولك المصطفى عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام قدوتنا وإسوتنا  وقائدنا إلى الجنة ، واجعل اللهم القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همومنا وأحزاننا .

اللهم إنك تعلم وأنت علام الغيوب أن عبادك المؤمنين في أرض الإسراء والمعراج  يسامون الخسف ، ويعيشون تحت قهر وجور أعداء دينك الظالمين، فعجل اللهم لهم بفرج من عندك، واجعل لهم من لدنك سلطانا نصيرا، فأنت نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *