Home»Islam»حديث الجمعة : (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ))

حديث الجمعة : (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ))

محمد شركي

ويتواصل حديثنا عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في كتاب الله عز وجل ، ويتعلق الأمر في هذا الحديث بما جاء في الآية الكريمة الثامنة والتسعين من سورة النحل وما تلاها إلى الآية الكريمة المائة التي يقول فيها الله تعالى : (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون )) ، وسيرا على ما درجنا عليه من تأمل صفات وأحوال الرسول الأعظم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام من خلال ما يوجهه له  ربه سبحانه وتعالى من أنواع الخطاب ،فإن ما جاء في هذه الآية الكريمة والتي تلتها يفضي التأمل فيها إلى أن الأمر الموجه  إليه يتعلق بحال من أحواله عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ القرآن الكريم  سواء قرأه وحده أو قرأه على من عاصروه . والاستعاذة بالله في هذه الحال وهي اعتماد عليه تدل بالضرورة على صفة التوكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  ،وهي  ملازمة في كل الأحوال التي كانت تمر به والتي منها حال قراءة القرآن الكريم ،وهي  صفة متفرعة عن صفته الكبرى التي نوه بها الله تعالى ، ويتعلق الأمر بعظمة خلقه التي تدل على كماله عليه الصلاة والسلام .

وصفة التوكل على الله تعالى تدل على يقين تام بمعية الله سبحانه وتعالى الدائمة، وهذا اليقين حاصل بالإيمان وهو صفة من صفاته أيضا . وعند تأمل الآيتين الكريمتين التاسعة والتسعين والمائة يتبين لنا أن صفة التوكل تستدعي صفة الإيمان ذلك أن الله عز وجل قدم هذه الصفة على صفة التوكل بقوله : (( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ))، وهذا يعني أن التوكل على الله تعالى مشروط بالضرورة بالإيمان به ، ويتأكد ذلك من الآية الكريمة المائة التي يقول فيها الله تعالى : (( إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون )) حيث ينتفي التوكل بانتفاء الإيمان عند هؤلاء الذين يتولون الشيطان.

وإذا كان الله تعالى قد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة به من الشيطان الرجيم  في حال قراءة القرآن، فإن في ذلك إشارة إلى ملازمة  صفتي الإيمان والتوكل له . ومعلوم أن القرآن الكريم هو كلام الله المقدس الذي لا يلابسه غيره من كلام الخلق إنسا أو جنا وذلك صيانة لقدسيته  وعلو شأنه ولقد أقسم الشيطان الرجيم بعزة الله تعالى أن يأتي بني آدم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم متسلطا عليهم بالوسوسة والنزغ في كل أحوالهم بما في ذلك حال قراءة القرآن لهذا ، مما أقسم عليه أن يفسد عليهم قراءتهم  بنفث لا يليق بقدسية كلام الله تعالى .

 ومعلوم أن الله تعالى قد صان رسوله صلى الله عليه وسلم مما يحصل لغيره من نفث الشيطان أثناء قراءة القرآن، لهذا ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بأمر الله تعالى هنا إنما المقصود به  أمر المؤمنين بالإيمان الذي به يحصل لهم به التوكل على الله تعالى في حال قراءة القرآن وهي من أهم الأحوال لأنها عبارة عن صلة مباشرة بينه وبينهم وعنها تحصل لهم الهداية والاستقامة على صراطه المستقيم . ولقد استدل المفسرون على ذلك بالآية الكريمة : (( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ))، وبناء على هذا تكون الآية : (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم )) مؤكدة  لصفتي الإيمان والتوكل على الله تعالى في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلا عن كونها متضمنة لأمر موجها لعموم المؤمنين حال قراءتهم القرآن الكريم.

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن الكريم وما يترتب عن ذلك من توكل على الله تعالى مصدره قوة و درجة إيمانه التي لا يدركها غيره ثم بعد ذلك تنبيههم إلى ضرورة الاقتداء والتأسي به حين يقرؤون القرآن الكريم تأدبا مع الله تعالى وتقديرا لقدسية كلامه بحيث لا يجب أن يلابس قراءتهم  أو يفسدها عليهم شيء من نفث أو نزغ أو وسوسة الشيطان الرجيم . ولا يمكن أن يتأتى لهم ذلك إلا بصدق الإيمان  بالله تعالى  الذي يزودهم بقوة التوكل عليه ، وهو ما تعهد به الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم  ولعباده المؤمنين.

 وإذا كان من منن الله تعالى على عباده المؤمنين صرف الشيطان الرجيم عنهم في كل أحوالهم بما في ذلك حال قراءتهم القرآن الكريم ، فإن ترك أمره بالاستعاذة به فيها يفتح أبواب الشيطان الرجيم ، ويكون له سلطان على من يتولونه كما قال الله تعالى : (( إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون )). ولا بد هنا من تحذير  المؤمنين من الوقوع في شراك إبليس اللعين الذي قد يلقي في بعض النفوس ما يجعلها  تنحرف عن  صراط الله المستقيم وتقع  إما  في شرك اتباع الأهواء أو غيره من أنواع  الشرك كإلحاق ما ليس بحق للخلق من التقديس ، أونسبة ما لا ينسب إلا لله تعالى من قدرة وأفعال ،وتنزيلهم منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم حاشاه .

ولقد عرفت كل العصور التي تلت عصر النبوة نماذج ممن  يستزلهم الشيطان الرجيم فيَضِلُّون ويُضلّون أتباعهم بما يدعونه من بلوغ مراتب يتوهمونها،  ويزعمون أنهم قد أذن لهم بذلك افتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أدى الأمانة بشهادة الله تعالى ، وكمل به دينه وتمت بذلك نعمته . وإن أتباعهم أمثال هؤلاء الذين ينشغلون بهم إلى حد الهوس عن كتاب الله تعالى وعن  سنة رسوله صلى الله عليهم وسلم ، ويستدرجون إلى أعمال ليست مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمره به الله تعالى من قبيل  شطحات يوهمونهم بأنها من الدين وما هي منه  ،وهو براء منها ، ولا دليل على صحتها في كتاب ولا في سنة .وإن أصحاب هذه الشطحات وغيرها من محدثات الأمور التي تنسب لدين الله وهو منها براء ليغامرون بأنفسهم وبأتباعهم   بادعاء ما ليس لهم بحق ، ولا حجة لهم ولا دليل منه في الوقوع   تحت سلطان الشيطان الرجيم الذي حذر منه الله تعالى . ولقد كان أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار إذا امتدح الناس قال :  » اللهم اجعلنا خيرا مما يقولون واغفر ما لا يعلمون  » يقولها تواضعا لله تعالى ، ولا يدعي لنفسه ما ادعاه غيره ممن بعد عهدهم عن خير القرون .

اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم في كل أحوالنا بما في ذلك حال قراءة كتابك الكريم ، اللهم نور به قلوبنا  على الشكل الذي يرضيك وترضى به عنا كما رضيت ذلك لرسولك عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام  ، وارزقنا اللهم قوة الإيمان بك وقوة التوكل عليك ، ولا تخالف بنا عن نهج رسولك عليه الصلاة والسلام .

اللهم انصر من نصر دينك ، واخذل من خذله . وانصر اللهم عبادك المؤمنين  المستضعفين في أرض الإسراء والمعراج على أعدائهم وأعدائك الظالمين الغاصبين المعتدين.

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *