بيان الاتحاد السنغالي صاغر وصغير جاء بلغة تبريرية، استرضائية، بالرغم من أن التفتيش اليدوي المهين لوفد رسمي وطني على مدرج المطار يمثل دولة، لكن كان على قدره وقيمته

عبدالقادر كتـــرة
صدر بيان عن الاتحاد السنغالي لكرة القدم بتاريخ 9 يونيو 2026 من مدينة « سان أنطونيو » الأمريكية، عقب عملية التفتيش اليدوية المهينة والمذلة التي خضع لها لاعبو المنتخب السنغالي والوفد المرافق له والذي حط الرحال بالولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في كأس العالم 2026.
جاء هذا البيان كرد فعل سريع وتوضيحي بعد انتشار مقطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي (تحديداً منصة X)، يظهر فيه لاعبو المنتخب السنغالي وهم يخضعون لتفتيش أمني يدوي ودقيق من قبل أمن المطار مباشرة على مدرج الطائرات، بالقرب من أمتعتهم، قبل صعودهم إلى رحلة خاصة متوجهة من مدينة رالي إلى سان أنطونيو استعداداً لمباريات كأس العالم 2026.
وجاء في البيان الصحفي: « على إثر تداول مقطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي يظهر لاعبين وأعضاء من طاقم المنتخب الوطني السنغالي يخضعون لتفتيش أمني على مدرج أحد المطارات، نود تقديم التوضيحات التالية لتجنب أي تفسير خاطئ.
خلافاً لبعض المعلومات المتداولة، لم يجرِ هذا التفتيش عند وصول الفريق إلى سان أنطونيو، بل حدث أثناء الصعود إلى الطائرة في مطار رالي يوم الأحد 07 يونيو 2026، قبل إقلاع الرحلة.
في إطار التنظيم اللوجستي للرحلة، غادرت الحافلة التي تقل المنتخب الوطني الفندق في رالي للتوجه مباشرة إلى مدرج المطار. سمح هذا الإجراء للاعبين وأعضاء الطاقم بإجراء كافة الفحوصات الأمنية وفحوصات الشرطة مباشرة بجوار الطائرة، دون الحاجة إلى المرور عبر المناطق المعتادة في محطة المطار أو قاعات الانتظار.
كان الهدف الأساسي من هذا الإجراء هو تحسين وقت سفر الوفد وتسهيل صعودهم إلى الرحلة الخاصة المتجهة إلى سان أنطونيو.
نود التأكيد على أن هذا الإجراء تم في ظل احترام قواعد أمن المطارات المعمول بها، ولم يتم الإبلاغ عن أي حادث يذكر.
جرت الرحلة الخاصة التي تربط بين رالي وسان أنطونيو في ظروف ممتازة، ووصل الوفد بأكمله إلى وجهته بشكل طبيعي. »
حُرر في سان أنطونيو، في 09 يونيو 2026″ وموقع من طرف الأمين العام
يتسم هذا البيان بلغة تبريرية، استرضائية، ودبلوماسية للغاية. بالرغم من أن التفتيش اليدوي لوفد رسمي وطني (منتخب يمثل دولة) على مدرج المطار (Tarmac) يُعد إجراءً غير معتاد وقد يُنظر إليه كانتهاك للبروتوكولات التفضيلية أو تقليل من الاحترام، إلا أن الاتحاد السنغالي سارع إلى « نفي أي سوء معاملة وتبرير الحدث بأنه « إجراء لوجستي » يهدف إلى « كسب الوقت »، والتأكيد على احترام القواعد الأمنية الأمريكية بشكل كامل ومطلق.
كما حاو الاتحاد السنغالي تطبيع الموقف، في محاولة إيصال رسالة بأن كل شيء « ممتاز » و »طبيعي »، لامتصاص غضب الجماهير السنغالية والإفريقية التي اعتبرت المشهد مهيناً.
لا يفوتنا هذا الحدث إلا تذكير بسلوك هذا الوفد ومنخبه خلال مشاركته في كان 2025 بالمغرب، والمقارنة مع بيان الاتحاد السنغالي ضد المغرب (كأس أمم إفريقيا 2025).
أولا، عند مقارنة هذا الموقف الاسترضائي بما حدث إبان نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 (والتي اختتمت منافساتها فعلياً في يناير 2026)، نجد تناقضاً صارخاً في لغة الخطاب والممارسة الإدارية والدبلوماسية.
ثانيا، في أزمة الكان، وبعد قرار الاتحاد الإفريقي (CAF) بتخسير السنغال للنهائي (3-0) لصالح المغرب نتيجة الانسحاب أو الخلاف التنظيمي، تبنى الاتحاد السنغالي نهجاً هجومياً وتصعيدياً.
- لغة حادة واتهامات: عقد الاتحاد السنغالي مؤتمرات صحفية عاصفة، واستخدم مصطلحات قانونية وجنائية قاسية (« اتهامات بالفساد »، « ميدالية مسمومة »).
- التصعيد المؤسساتي: اللجوء الفوري إلى محكمة التحكيم الرياضية (TAS/CAS) في أواخر مارس 2026 للمطالبة بتجريد المغرب من اللقب، بل وتهديد أعضاء لجان الكاف بمتابعات جنائية دولية في نيويورك وواشنطن.
- غياب المرونة: رغم الاستقبال اللوجستي وحسن الضيافة في المغرب، لم يُظهر الاتحاد السنغالي أي مرونة أو تقبل للقرارات التنظيمية الإفريقية، واختار الصدام المباشر والمفتوح.
ثالثا، نصل إلى الاستنتاج الجيوسياسي الذي يجسده « تأثير موازين القوى »، إذ يعكس التباين بين النصين والموقفين حقيقة عميقة في العلاقات الدولية والدبلوماسية الرياضية، تتعلق مباشرة بـ « الوزن الجيوسياسي » للدول المستضيفة.
- التعامل مع الولايات المتحدة (القوة العظمى):
تمتلك الولايات المتحدة هيمنة سياسية وأمنية عالمية. في هذا السياق، تدرك الاتحادات الإفريقية (بما فيها السنغال) أن القواعد الأمنية الأمريكية صارمة وغير قابلة للتفاوض، وأن أي تصعيد أو احتجاج على « سوء المعاملة » أو « الإهانة » قد تكون له تبعات دبلوماسية أو لوجستية خطيرة (مثل سحب التأشيرات أو تعقيد التنقل). لذلك، يتم قبول التفتيش على المدرجات بصدر رحب، ويُصاغ بيان يدافع عن الإجراءات الأمريكية ويبررها لتجنب أي احتكاك. هنا، تتصرف المؤسسة بـ انصياع براغماتي لقوة لا يمكن تحديها.
-التعامل مع المغرب (القوة الإقليمية الإفريقية):
على الرغم من أن المغرب يمتلك بنية تحتية رياضية واقتصادية تضاهي المعايير العالمية، ويقوم بدور الريادة الإقليمية في إفريقيا، إلا أن الدول الإفريقية الأخرى تنظر إليه كـ « ند » في سياق التعاون جنوب-جنوب.
هذا الشعور بالندية يجعل الاتحادات (مثل السنغال) لا تتردد في ممارسة أقصى درجات الضغط، والاحتجاج، والتصعيد القانوني والخطابي ضده وضد المؤسسات القارية (الكاف) التي تتخذ من المغرب مقراً لبطولاتها.
خلاصة القول، يتحول بعض الفاعلين المؤسساتيين إلى تبني سياسة « الخضوع والامتثال » الصامت في مواجهة القوى الغربية العظمى (حتى عند التعرض لمواقف تمس بالهيبة أو البروتوكول)، بينما يمارسون شراسة تنظيمية وقانونية بالغة في مواجهة دول قارية جارة (كالمغرب)، في ازدواجية معايير تعكس بوضوح كيف تُملي موازين القوى الاقتصادية والسياسية العالمية ردود الأفعال، حتى داخل المستطيل الأخضر.



Aucun commentaire