حديث الجمعة : (( يا ابها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ))

حديث الجمعة : (( يا ابها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ))
محمد شركي
يستمر الحديث عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في كتاب الله عز وجل عبر هذه السلسلة المخصصة لهذا الغرض ، ويتعلق الأمر بما جاء في الآية الكريمة الثالثة والسبعين من سورة التوبة التي يقول فيها الله تعالى موجها الخطاب إلى الرسول عليه الصلاة السلام آمرا إياه بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم : (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير)) ، فهذه الآية جاءت على غرار الآيات التي يوجه فيها الله تعالى أوامره لرسوله صلى الله عليه وسلم وتكون متضمنة إشارات إلى بعض صفاته وأحواله ، وقد تضمنت إشارة إلى حال من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم حين كان يواجه الكفار والمنافقين وهم ينكرون نبوته ودعوته ، ويكذبونه ويكيدون له كل كيد . ولقد اقتضت هذه الحال أن تكون مواجهته لهم بما شرع له الله تعالى من جهاد بكيفيات حددها له، وهي تتراوح بين قتال أو جدال أو وعظ وإرشاد أو إعراض … إلى غير ذلك مما كانت تقتضيه المواجهة معهم. ولقد ورد في كتب التفسير نقلا عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث بأربعة أسياف منها ما هو خاص بالكفار، ومنها ما هو خاص بالمشركين ، ومنها ما هو خاص بالمنافقين ، ومنها ما هو خاص بالبغاة المعتدين، وممن نسب إليهم مثل هذا القول الإمام علي كرم الله وجهه . وقال آخرون إنه أمر بمواجهة الكفار بالسيف ، ومواجهة المنافقين باللسان أو بإقامة الحدود عليهم .
ومهما يكن من أمر فإن أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بمجاهدة الكفار والمنافقين وهو أتقى الخلق وأعبدهم لله تعالى أوجب له ضمنا صفة المجاهد سواء كانت المواجهة بالقتال او باللسان أو غيرهما .
ومما يستوجب وقفة عند هذه الآية الكريمة موضوع هذا الحديث هو مخاطبة الله تعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بصفة النبي وليس بصفة الرسول في سياق أمره بالجهاد ،علما بأن النبوة وهي أعم من الرسالة كما أجمع على ذلك أهل العلم والتي تدل على تلقي الوحي من الله عز وجل دون أمرمنه بتبليغه ، بينما الرسالة وهي أخص تتعلق بالتبليغ . ومعلوم أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كلهم أنبياء وليس الأنبياء كلهم رسلا ، وتصديق نبوات الرسل منهم أي نزول الوحي عليهم، يقتضي بالضرورة تصديق ما يبلغون منه للناس ، ولهذا جاء في الآية الكريمة السابعة والخمسين بعد المائة من سورة الأعراف قول الله تعالى في سياق الحديث عن حال بعض أهل الكتاب يهود ونصارى مع دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )) ،ففي هذه الآية الكريمة ما يدل على أن إيمان بعض أهل الكتاب بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان تصديقا وإقرارا منهم بنزول الوحي عليه، وأن الإيمان برسالته هو اعتراف منهم بتبليغ هذا الوحي إليهم وإلى العالمين .
ومخاطبة الله تعالى رسول عليه الصلاة والسلام في الآية الكريم موضوع هذا الحديث بصفة نبيّا في سياق أمره له بمجاهدة الكفار والمنافقين فيه أولا تأكيد لنبوته التي يجحدها هؤلاء، وهو جحود اقتضى أن يجاهدهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أنهم لو صدقوا نبوته بنزول الوحي عليه لما أمر عليه الصلاة والسلام بمجاهدتهم ،علما بأن الكفار كانوا يعلنون كفرهم بنبوته جهارا ،بينما كان المنافقون يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان ، لهذا جاء بعد الأمر بمجاهدتهم مع الكفار والغلظة عليهم وصف الله تعالى لهم في الآية التالية وهي قوله تعالى : (( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير )) .
ولقد أعقب أمر الله تعالى نبييه بمجاهدة الكفار والمنافقين أمره له بالغلظة عليهم وهي الشدة والعنف في القول بما يناسب عناد الكفار في كفرهم ونفاق المنافقين في نفاقهم ، وهي صفة استثنائية اقتضتها هذه الحال لأن الغالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مجادلتهم بالتي هي أحسن ، فضلا عما حلاّه به ربه سبحانه وتعالى من لين ورحمة ورأفة وكل ذلك مما ينطوي تحت ما نوه به الله تعالى من عظيم خلقه .
مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا تذكير المؤمنين بصفة المجاهد التي تفهم ضمنا من أمر الله تعالى له في الآية الكريمة موضوع هذا الحديث ثم تنبيههم إلى خطورة ما يسوق اليوم على ألسنة البعض من نفي هذه الصفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تصريح الله تعالى بها من خلال ما خاطب به في آيات أخر من الذكر الحكيم . ومعلوم أن الدافع وراء هذا تسويق الباطل هو تضليل المؤمنين تبعا لبعض الأهواء وبعض الأغراض غير المصرح بها مع أنها مكشوفة لا سبيل للتمويه عليها ،ويمكن القول لمن يسوقون ذلك إن صفة المجاهد ثابتة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي قرآنا وسنة ، وأنه لا غبار عليها إذ وثق القرآن الكريم غزواته ، و بناء على هذا لا يستقيم قول من قال إنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هاديا ولم يبعث غازيا ، ولا شيء يؤثر في صفاته ومناقبه وشمائله ،التي لا تناقض بينها وهو الموصوف بالخلق العظيم الذي نوه به الله تعالى في محكم التنزيل ، ولقد وافقت كلها الأحوال التي كان يمر بها فهو ليس بالفظ الغليظ وهوالرحيم الرؤوف ،ولا يؤثر في صفاته هذه ولا يضيرها أن يكون مجاهدا قد جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم لأن الحال اقتضت ذلك.
ومعلوم أن أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتأسي والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم يلزمهم ما لزمه إذ لا يجب أن يتركوا مجاهدة الكفار والمنافقين إذا وجب ذلك تحت أية ذريعة من الذرائع التي يتذرع به المتذرعون في هذا الزمان إرضاء للكفار والمنافقين الذين لا يمكن أن يخلو وجودهم في زمن من عمر البشرية إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ،ويحكم بين عباده فيما كانوا فيه مختلفين وهو خير الحاكمين .
اللهم إنا نعوذ بك أن ننفي عن رسولك عليه الصلاة والسلام صفة من صفاته صرحت بها في محكم تنزيلك أو لمحت إليها أو أخبرنا هو بها . واشهد اللهم أننا ننعته بما نعته لا مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين . اللهم اجعلنا بهديه متأسين ومقتدين ، وعلى سنته ثابتين ، ولأمرك وأمره مطيعين حتى نلقاك ونحن على ذلك .
اللهم انصر من نصر دينك، واخذل من خذله، وكد بكيدك المتين كل من كاد له بكيد أنت به عليم . وكن اللهم ولي المؤمنين المجاهدين في سبيلك من أجل إعلاء راية دينك جهادا لا تشوبه شوائب من قبيل مقايضة غرض الدنيا الزائل بثواب الآخرة الدائم .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



Aucun commentaire