مرثية الوفاء: وداعا لرفيق الدرب وصفوة الخلان

مرثية الوفاء: وداعا لرفيق الدرب وصفوة الخلان

عبدالرحيم الجرودي ـ ألمانيا
خلف أسوار الفقد الموحشة، حيث يغدو الوقت ثقيلا كجبل من الرصاص، وقف قلبي عاجزا عن استيعاب حقيقة فقدك أخي لخضر. إن رحيلك يا صديقي ليس مجرد توقف للأنفاس، بل هو انكسار في مرآة روح كنا نرى فيها ذواتنا، وشرخ في جدار العمر لا يرممه عزاء، وفراغ يا أخي لا يملؤه إلا صدى ذكرياتك العطرة.
لقد كنا، يا صديقي، عابرين في دروب الحياة، لم يجمعنا لقاء عابر أو مصلحة زائلة، بل جمعتنا معالم طريق اخترناه بوعي وإيمان، وسلكناه مع ثلة من خيرة الإخوان وأشرفهم. كان طريقا طريفا بكل تفاصيله، لم يكن ممهدا بالرياحين، بقدر ما كان منخفضا في عثراته، وعرا في منعطفاته، لكنه كان دائما يتنفس الرجاء، مضاء بالأمل في أن نصل معا إلى ذروته السامقة. وكما تعلمنا يا أخي في فلسفة الوفاء، ليس المهم أن تصل سريعا، بل المهم كيف كنت تسير، ونحن بفضل تلك الروح الوثابة لم تفت العثرات في عضدنا، ولم يثننا طول المدى عن ملامسة الحلم.
لم تكن مسيرة الطريق مجرد نضال جاف، بل كان وجودك فيها نسمة تلطف وعثاء السفر، فقد كنت طيفا أنيسا تأسر القلوب بابتسامة صادقة ونكتة حاضرة، تحول كدر الأيام إلى صفاء. كانت روحك تتسع للجميع، محبا للناس خدوما بطبعك، لا ترد سائلا ولا تخذل محتاجا. كنت سباقا للبذل سخيا بالعطاء، صابرا محتسبا في الشدائد، لا تعرف الشكوى طريقا إلى لسانك. لقد كنت تدرك بعمق فطرتك، وأن أشرف الخلق أنفعهم للناس، لذا أحبك كل من اقترب من روحك، ووجد فيك ذاك الملاذ الإنساني الدافئ الذي يمنح دون مقابل.
« مني إلي »: ميثاق الوداع الأخير
أعود إلى صورتنا هاته، يوم جئت لتوديعي، وكأن القدر أراد أن يوثق لحظة صفو خالدة. كانت جلسة جلنا فيها بين مشارق الفكر ومغارب السياسة، وطفنا في رحاب الأدب، يكسو حديثنا نكتتك الراقية وطرافتك التي لا تبارى. وقبل أن تمضي، تركت لي في يدي رسالة لم تكن مجرد ورق، بل كانت قطعة من قلبك، صدرتها بعبارة زلزلت كياني: « مني إليَّ.. أحييني حين أذكرني ».
لزمتني العبرات يومها وتركت العنان لعيني تسبر خبايا تلك الحروف، فلم تكن رسالة، بل كانت وصية وعهدا ووعدا. كانت نداء صامتا لاستمرار الحياة في الذكرى، وها أنا ذا اليوم، والقلب يعتصره الألم، أستحضر في غيابك ما كتبته في حضورك، وأدرك أن الوفاء هو الضريبة التي ندفعها بامتنان لمثل إخائك.
ما أوجع أن تنظر حولك فتجد أن الزمن قد غربل الصفوف، وتساقط الكثيرون على جنبات الطريق، وباع البعض عهودهم بأثمان بخسة في أسواق الزيف. لكنك، يا رفيقي، كنت ذاك الطود العظيم الذي لم يتزحزح، بقيت على العهد كما عرفتك، وفيا لمبادئك التي تربيننا عليها، لم تغير، لم تبدل، وبقيت ثابتا حينما اهتزت الأقدام، صادقا في زمن عزّ فيه الصدق. إن هذا الجرح العميق الذي تركه فقدك ليس دليلا على الضعف، بل هو برهان على عظمة المكانة التي كنت تشغلها، فالفقد دائما يكون على قدر الحب.
إن غيابك الجسدي أخي لخضر اليوم، هو حضور أبهى في الوجدان. لقد انتقلت من ضيق الدنيا إلى سعة الخلود، تاركا لنا يا صديقي إرثا من النبل وبصمة من الطهر لا يمحوها النسيان، تركت أمانة الثبات على ذات الطريق. يقول أهل الحال إن « الوجود هو الحضور »، لأقول اليوم، إنك لم ترحل يا أخي لخضر، وعلى ذات العهد سنبقى حتى يجمعنا الله في مستقر رحمته. وكما بدأت رسالتك لي، أختم مرثيتي بنبض الروح ذاته: « مني إلي » ستظل حيا فينا آل الجرودي ما دمنا نذكرك وسنظل، وسلام على روحك الطاهرة في الخالدين وسلام على عهد لم يتبدل وأخوة تأبى أن تموت بانتهاء الأنفاس.



Aucun commentaire