فرنسا ربحت كل شيء والجزائر خسرت كل شيء: نظام الجزائر يعود إلى بيت الطاعة الفرنسي خاضعا خانعا رغم الإهانات المتكررة له مع تنفيذ جميع أوامر باريس وشروطها

عبدالقادر كتـــرة

بعد تعنت صبياني وتخبط طفل فقد لعبته الحميمية وعناد غبي، منذ إعلان فرنسا، رسميا، دعمها للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية (أعلنت فرنسا رسمياً اعترافها بمغربية الصحراء ودعمها لسيادة المغرب عليها في 30 يوليو 2024، تزامناً مع الذكرى الـ25 لعيد العرش)، وبعد أن أصبح يتيما معزولا مقهورا مذموما مدحورا، عاد النظام العسكري الجزائري إلى بيت الطاعة الفرنسية بعد أن كرمه الرئيس الفرنسي « إيمانويل ماكرون » بمجموعة من العقوبات من التأديب والتوبيخ والتأنيب والفلقة والهجران والتجاهل…
عاد جنرالات نظام العسكر بثكنة بنعكنون وكهنة معبد قصر المرادية إلى أحضان فرنسا سعداء فرحين مبتهجين بعودة سفير فرنسا للجزائر (الذي قالوا عنه إنه « غير مرغوب فيه ») وبزيارة الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزارة الجيوش الفرنسية، واحتفلوا بهما يوم ذكرى حزينة سوداء ودموية للمستعمر الفرنسي، ذكرى إحياء الجزائر لليوم الوطني للذاكرة المخلد لمجازر 8 ماي 1945 (يصادف 2026 الذكرى الـ81) « اليوم الوطني للذاكرة » الذي ارتكب فيه الاستعمار الفرنسي بسطيف وقالمة وخراطة، مجازر حيث قُتل أكثر من 45 ألف جزائري)….
استقبل الرئيس عبدالمجيد تبون، « أليس روفو »، الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزارة الجيوش الفرنسية، والتي سلمت له رسالة من الرئيس الفرنسي « إيمانويل_ماكرون. »
وحضر اللقاء، الذي جرى بحضور سفير فرنسا لدى الجزائر « ستيفان روماتيه »،
من جهته، سارع الفريق أول السعيد شنڨريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، إلى استقبال الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية وقدماء المحاربين….فرحا مسرورا منتشيا مثل طفل عادت أمه من سفر لتحتضنه
يومان فقط قبل هذه الذكرى المشؤومة، خرج وزير الداخلية الفرنسي « لوران نونيز » بتصريح، حسب ما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)، الخميس 7 ماي، جاء فيه أن باريس عاودت عمليات ترحيل الجزائريين ذوي الوضع غير النظامي، مشيرا إلى أن عددهم منذ بداية السنة الجارية بلغ 140.
وكانت جمعية « سيماد » المعنية بالدفاع عن حقوق المهاجرين أفادت في نهاية مارس الفائت باستئناف عمليات الترحيل هذه بعد توقفها نحو عام بسبب الأزمة الدبلوماسية بين باريس والجزائر، غير أنّ وزارة الداخلية لم تكن أعلنت بعد أي قرار في هذا الصدد.
وأضاف « منذ أن ذهبتُ إلى الجزائر، عاد كل شيء إلى سابق عهده »، و »أُعطيَ 120 إذن مرور منذ ذلك الحين (…) وأمس تجاوزنا 140 عملية إبعاد منذ بداية السنة. لا شك في أن (…) علينا أن نفعل المزيد »، لكنّ « الأمور عادت إلى نصابها »، على قوله.
وقال نونيز « العنصر الآخر الذي بات ينبغي أن نصل فيه إلى نتيجة بسرعة نسبيا » هو مسألة « الرحلات المجمّعة »، أي ترحيل عدد من الأشخاص المبعَدين في طائرة واحدة.
وتدهورت العلاقات بين بين باريس والجزائر اعتبارا من صيف العام 2024، مع اعتراف فرنسا بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء المغربية التي يدور بشأنها نزاع منذ خمسين عاما بين الرباط وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر.
عودة تدفق هذه التصاريح منذ زيارة نونيز في فبراير 2026 تعني أن الإدارة الجزائرية تلقت « تعليمات عليا » بالتعاون غير المشروط. هذا التحول السريع يُسقط سردية « الندية الدبلوماسية » ويؤكد أن الجزائر تفاوضت من موقع ضعف لتخفيف الضغط الفرنسي، وليس لفرض شروطها.
أخطر ما جاء في تعقيب وزير الداخلية الفرنسي هو إلحاحه على تفعيل « الرحلات المجمعة ».
هذا الإجراء لا يحمل طابعاً أمنياً فحسب، بل يحمل إهانة سياسية وإعلامية بالغة للدولة المُستقبلة، حيث يُعاد مواطنوها في طائرات مخصصة للمطرودين وكأنهم « عبء جماعي ».
قبول النظام الجزائري بالتفاوض على هذه الآلية، أو حتى عدم اعتراضه عليها علناً، يُمثل أعلى درجات الخضوع البراغماتي لتجنب غضب الإليزيه، وتكريساً لتحول الجزائر إلى مُجرد « مُنفّذ إداري » للسياسات الأمنية الفرنسية.
نجحت فرنسا في فرض إرادتها الاستراتيجية واستطاعت تحقيق أهدافها الأمنية والداخلية (ترحيل المهاجرين، استعادة رعاياها كصنصال) دون أن تدفع أي ثمن سياسي في المقابل، وتحديداً دون التراجع عن اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء.
هذا يعني أن الجزائر أُجبرت على تطبيق نظرية « فصل الملفات »؛ أي التعاون التام في الملفات الأمنية والاقتصادية الثنائية، مع ابتلاع الهزيمة الدبلوماسية في الملف الإقليمي (الصحراء)، وهو تراجع جذري عن عقيدة ربط العلاقات الثنائية بمواقف الدول من البوليساريو.
»لوران نونيز » فضل « التهدئة » عكس سلفه « ريتايو » سالكا هذه الأستراتيجية، هي ليست تراجعاً فرنسياً، بل هي تغيير في التكتيك التفاوضي؛ فبدلاً من المواجهة العلنية الفجة التي قد تُحرج النظام الجزائري أمام شعبه، تعتمد الإدارة الفرنسية الحالية أسلوب « الحوار الهادئ الذي يُنتج تنازلات عملية ».
فرنسا فهمت أن النظام الجزائري يحتاج إلى « إخراج مسرحي » يحفظ ماء وجهه، فقدمت له لهجة تصالحية في الإعلام مقابل حصاد تنازلات سيادية على الأرض.
المشهد الحالي يكرس حقيقة أن تدبير الشأن الدبلوماسي الجزائري محكوم بردود فعل ظرفية تفتقر للعمق الاستراتيجي، وسرعان ما ترتطم بحائط موازين القوى.
اعتاد النظام العسكري الجزائري، كلما غرق في مشاكل اختلقها، اللجوء إل حلها بمزيد من التنازلات قد تشمل حتى تسهيلات واستثمارات سيادية تُمنح للشركات الفرنسية الكبرى، كضريبة إضافية لضمان استمرار هذا « التطبيع » البارد مع باريس.
هذا السلوك بستند إلى وقائع ملموسة تعكس تحولاً جذرياً في مسار العلاقات الفرنسية-الجزائرية مؤخراً.
من الواضح أن هناك تراجعاً جزائرياً عن لغة التصعيد التي سادت خلال عامي 2024 و2025.
- عودة السفير: في 8 مايو 2026 (قبل عام صدر بيان من الخارجية الجزائرية قيل في حقه « غير مرغوب فيه »)، أُعلن رسمياً عن عودة السفير الفرنسي « ستيفان روماتيه » إلى الجزائر لممارسة مهامه، بعد فترة طويلة من القطيعة والتوتر.
- بوعلام صنصال: تم إطلاق سراحه في نونبر 2025. الجدير بالذكر هنا أن الجزائر استخدمت الوساطة الألمانية كمخرج؛ حيث تم العفو عنه استجابة لطلب من الرئيس الألماني، وهو تكتيك دبلوماسي جزائري لـ « حفظ ماء الوجه » وتجنب الظهور بمظهر الرضوخ المباشر للضغوط الفرنسية، رغم أن النتيجة كانت في صالح باريس.
- الصحفي كريستوف غليز: اعتُقل في مايو 2024 وحُكم عليه بالسجن 7 سنوات. التطور الأبرز في مايو 2026 هو إعلان عائلته تخليه عن مسار « الطعن بالنقض »، وهو إجراء قانوني يُفهم في العرف السياسي على أنه تمهيد لإصدار عفو رئاسي مرتقب من الرئيس عبد المجيد تبون.
- التغير في وزارة الداخلية الفرنسية: انتقال حقيبة الداخلية الفرنسية إلى لوران نونيز (الذي يتبنى لغة التهدئة والحوار) خلفاً لبرونو ريتايو (الذي كان يميل للمواجهة والتشدد)، وفّر للجزائر « مُبرراً دبلوماسياً » لاستئناف التعاون الأمني واستقبال المهاجرين (بمعدل تجاوز 140 مُرحَّلاً منذ بداية العام).
فرنسا ربحت كل شيء والجزائر خسرت كل شيء: فباريس لم تتراجع قيد أنملة عن موقفها الداعم لسيادة المغرب على صحرائه ومبادرة الحكم الذاتي، وفي الوقت نفسه نجحت في فرض شروطها الأمنية (الترحيل) واستعادة مواطنيها المعتقلين.
أدركت الجزائر أن سياسة « القطيعة وسحب السفراء » (سواء مع إسبانيا سابقاً أو فرنسا لاحقاً) أدت إلى عزلتها دولياً ولم تُغيّر مواقف الدول الأوروبية الكبرى من قضية الصحراء.
تجميد العلاقات مع فرنسا يضر بالأساس بملايين الجزائريين (المغتربين وطالبي التأشيرات)، ويعرقل الحركة الاقتصادية والتجارية، وهو ثمن باهظ لم تستطع السلطة في الجزائر الاستمرار في دفعه.
الرهان على حلفاء آخرين (مثل روسيا أو الصين) لم يعوض الثقل الاقتصادي والجيوسياسي للاتحاد الأوروبي.
خلاصة القول، خطوة تلو أخرى، تجد الجزائر نفسها مُجبرة على التعايش مع حقيقة أن قضية الصحراء تتجه لصالح الطرح المغربي دولياً.
التراجع أمام فرنسا يؤسس لواقع جديد قد تضطر فيه الجزائر لفصل علاقاتها الثنائية مع الدول الأوروبية عن ملف البوليساريو.
النظام الجزائري بنى شرعيته في السنوات الأخيرة على خطاب التصعيد و »الندية » مع باريس، واعتبار المعتقلين (مثل صنصال وغليز) مهددين للأمن القومي.
الإفراج عنهم وقبول المُرحّلين مقابل « لا شيء » تقريباً سيخلق تناقضاً كبيراً أمام الرأي العام الداخلي والتيارات الراديكالية المعارضة لأي تقارب مع باريس.
عودة العمل بآلية الترحيلات الجماعية والرحلات المجمّعة المباشرة يكرس قاعدة أن الدول الأوروبية باتت تنظر لدول شمال إفريقيا من زاوية « حرس الحدود » وإدارة الهجرة في المقام الأول.



Aucun commentaire