على ضوء توقع حدوث تغيير في العالم بناء على المنعطف الدقيق الذي يمر به يتعين لزوما على البلاد الإسلامية والعربية أن تتكتل لفرض وجودها في نظام عالمي جديد مرتقب

على ضوء توقع حدوث تغيير في العالم بناء على المنعطف الدقيق الذي يمر به يتعين لزوما على البلاد الإسلامية والعربية أن تتكتل لفرض وجودها في نظام عالمي جديد مرتقب
محمد شركي
لا زالت لحد الساعة نهاية الصراع في منطقة الشرق الأوسط مجهولة لعدة اعتبارات أهمها التوجس من انزلاق الأطراف المتصارعة نحو حرب يكون لها امتداد جغرافي واسع وتكون مدمرة ـ لا قدر الله ـ .
وعلى ضوء ما تعرفه الساحة في تلك المنطقة ، وعلى ضوء التوقعات تكاد مجموعة من الخبراء بالشأن السياسي في العالم تجمع على أن نظام القطب الواحد الذي أعقب فترة الحرب الباردة قد أوشك على النهاية كي يفسح المجال لنظام عالمي جديد علما بأن سنة الله عز وجل في الأرض هي نهاية كل قوة بضعف ، وكل طغيان باندحار، وكل وضع مهما طال ببديل حتمي عنه ،وهو ما عبرعنه الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي في بيته الشهيرالذي يقول فيه :
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
ومن تلك التوقعات أن العالم سيعرف ميلاد تكتلات جغرافية وبشرية كبرى تزول معها التكتلات الحالية التي باتت هشة وقابلة لانفراط عقدها عما قريب بعدما فرضت هيمنتها على العالم عقب الحرب العالمية الثانية ، وذلك بناء على مؤشرات منها خلاف الأنظمة الأوروبية مع الإدارة الأمريكية .
ومن تلك التوقعات المحتملة أيضا وبناء على معطيات بارزة كذلك بات صعود نجم الصين مع كتلتها الأسيوية كقوة اقتصادية عملاقة فوق المحتمل، وربما ستتجاوز بقوتها العملاقة التكتل الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وينتهي فترة انفراد القطب الواحد بالعالم .وأمام هذا الوضع العالمي المتوقع لا خيار للبلاد الإسلامية والعربية سوى فرض وجودها ككتلة موحدة تفرض احترامها على كل التكتلات المحتملة بعد أفول نجم القطب الوحيد المهيمن . ومعلوم أن البلاد الإسلامية والعربية تملك من المقومات ما يجعلها مجتمعة كتلة لها وزنها في الوضع العالمي الجديد المتوقع ، ومن تلك المقومات الامتداد الجغرافي الكبير الذي يغطي مساحات معتبرة في قارات ثلاث والذي يحتوى باطنه على ذخيرة كبرى من المقدرات الهائلة ، فضلا عما على ظهره من خيرات لا حصر لها إلى جانب ثرواته المائية وبحاره الممتدة مساحات شاسعة ومتميزة بممراتها و مضايقها الاستراتيجية . ومن المقومات أيضا كتلته البشرية الهائلة والفسيفسائية عرقا ،وثقافة، وحضارة، وإبداعا وذلك بفضل المرجعية الإسلامية الناظمة لتنوعها والصائنة للحمتها .
ومن أجل تحقيق هذا التكتل العربي الإسلامي المنشود لا مندوحة عن شروط ضرورية أهمها سيادة الممارسة الديمقراطية في كل هذا الحيز الجغرافي المترامي الأطراف ، وذلك على غرار سيادة الديمقراطية في التكتل الغربي الحالي مع التحفظ على ما يعتريه من نقائص منها تدخل اللوبيات المتحكمة في نزاهة الانتخابات بحيث تختار الشعوب العربية والإسلامية قياداتها السياسية عن طريق اعتماد الصناديق الزجاجية الشفافة ، وتكون البرلمانات المنبثقة عن الاقتراع النزيه هي صاحبة قرار التشريع باعتبارها ممثلة لإرادة الشعوب ، كما تكون رقابتها على القيادات والحكومات حقيقية وليست صورية ، ويكون الفصل الحقيقي بين السلط مع ضمان ممارسة السلطة الرابعة حريتها كاملة باعتبارها معبرة عن نبض الشارع .
وتجدر الإشارة إلى أن شعوب العالم الإسلامي والعربي لديها من الوعي ما يجعلها في مستوى تطلعات القيادات الراشدة التي تختارها بحرية وعن اقتناع وبمحبة واحترام وتقدير شريطة أن تكون سيدة قراراتها مستقلة وغير خاضعة لإملاءات أو ضغوط أو ابتزازات خارجية مغرضة كما هو عليه الشأن في الوضع الحالي الذي يتنبأ الخبراء بقرب حلول لحظة زواله بناء على معطيات ومؤشرات .
وأول خطوة نحو بناء التكتل المأمول في البلاد العربية والإسلامية هو طي صفحة الخلافات والصراعات السياسية بين قادتها نزولا عند رغبة شعوبها التي تشربت الأخوة الإسلامية وهي من أغلى قيمها التي تفاخر بها وتطمح إلى تجنيبها الفُرقة والشتات والتشرذم فضلا عن محاصرة كل النعرات الإثنية والطائفية التي تهدد وحدة الأمة مع اعتماد مبدأ التعايش بين مختلف الأطياف، وكذا اعتماد مبدأ تكاملها الذي بفضله يكون الاختلاف والتنوع قيمة إيجابية تجمع ولا تفرق .
ولا شك أن تحقيق هذا الهدف السامي ستعترضه عراقيل داخلية وخارجية ولكنه ليس مستحيل التحقق مع توفر النيات الحسنة والإرادة الصلبة التي تتحدى كل الصعوبات والعراقيل .
وأخيرا نقول ما أسعد شعوب البلاد العربية والإسلامية إذا ما حصل تكتلها المأمول وحاز مكانته بين التكتلات المحتملة عما قريب ، وصارت سافرت في أقصى حيزها الجغرافي المترامي الأطراف دون تأشيرات وبقوانين موحدة وعملة واحدة بمشيئة الله عز جل وإرادته التي تستجيب حتما لكل إرادة حسنة تصبو إلى تحقيق طاعته ورفاهية عباده المؤمنين.



Aucun commentaire