سحب كأس إفريقيا ليس الحدث الأول من نوعه: أحداث تاريخية في كرة القدم الإيطالية، تجريد نادي « يوفنتوس » من لقبي الدوري لعامي 2005/06 وفضيحة نادي « إنتر ميلان » 2011

سحب كأس إفريقيا ليس الحدث الأول من نوعه: أحداث تاريخية في كرة القدم الإيطالية، تجريد نادي « يوفنتوس » من لقبي الدوري لعامي
2005/06 وفضيحة نادي « إنتر ميلان » 2011
عبدالقادر كتـــرة
في عام 2006، انفجرت فضيحة التلاعب بنتائج المباريات (الكالتشيوبولي). ونتيجة لذلك، تم تجريد نادي « يوفنتوس » من لقبي الدوري لعامي 2005 و2006، وتم إنزاله للدرجة الثانية، كما تم خصم نقاط من نادي « ميلان » وأندية أخرى. قرر الاتحاد الإيطالي منح لقب موسم 2005/2006 لنادي « إنتر ميلان » (الذي أنهى الموسم في المركز الثالث).
في عام 2011، أصدر المدعي العام للاتحاد الإيطالي لكرة القدم « ستيفانو بالاتسي » (Stefano Palazzi) تقريراً صادماً بناءً على مكالمات هاتفية مسربة جديدة لم يتم فحصها في محاكمة 2006.
أشار التقرير إلى أن إدارة « إنتر ميلان » (بما في ذلك الرئيس السابق « فاكيتي وماسيمو موراتي ») كانت تقوم بنفس الأفعال التي عوقب عليها نادي « يوفنتوس »، وتواصلت بشكل غير قانوني مع الحكام.
خلص المدعي العام إلى أن إنتر ارتكب « احتيالاً رياضياً » (Illecito sportivo). ولكن، لأن هذه الأدلة ظهرت بعد مرور 5 سنوات، سقطت التهم قانونياً بسبب قانون التقادم (Statute of limitations) في إيطاليا. لذلك، لم يتم سحب لقب 2006 من إنتر ميلان ولم تتم معاقبتهم، لكن التقرير أحدث ضجة إعلامية كبيرة وشرعن هجوم مشجعي « يوفنتوس » على أحقية « الإنتر » بذلك اللقب.
الواقعتان تكملان بعضهما؛ الأولى تمثل سخرية الجماهير من تتويج الإنتر عام 2006، والثانية تمثل الإثباتات القانونية المتأخرة (عام 2011) التي أظهرت تورط الإنتر أيضاً في الفضيحة، مما زاد من حدة الصراع التاريخي بين الناديين.
بناءً على السياق التاريخي المثير، فالتعمق أكثر في الآليات القانونية التي صاحبت تتويج الإنتر، ومن ثم إسقاط هذه الأحداث ومقارنتها بالواقعة الرياضية والقانونية الأبرز التي نعيش تداعياتها اليوم في مارس 2026، والمتمثلة في أزمة نهائي كأس أمم إفريقيا (CAN 2025) بين المغرب والسنغال.
1. قرار التتويج الإداري (2006):
بعد تجريد نادي « يوفنتوس » من لقبيه، وتوقيع عقوبات خصم النقاط على نادي « ميلان » وأندية أخرى، تم تعيين « جويدو روسي » كمفوض استثنائي لإدارة الاتحاد الإيطالي لكرة القدم. استند روسي إلى لوائح الاتحاد وقرر إعادة ترتيب جدول الدوري لموسم 2005/2006، مما جعل « إنتر ميلان » (الذي أنهى الموسم ثالثاً) يتصدر الترتيب « نظرياً »، ليُمنح اللقب بقرار إداري بحت. هذا الإجراء خلق حالة من الاحتقان، حيث اعتبره المنافسون قراراً سياسياً لا يعكس الجدارة الرياضية.
2. الإثباتات المتأخرة والهروب بالتقادم (2011):
استمر « يوفنتوس » في محاولاته القانونية لاسترداد ألقابه أو على الأقل تجريد « الإنتر » من لقب 2006 لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في العقاب.
في عام 2011، ظهرت مكالمات هاتفية جديدة لم تُشمل في التحقيقات الأصلية.
بناءً عليها، أصدر المدعي العام للاتحاد الإيطالي « ستيفانو بالاتسي » تقريراً رسمياً أكد فيه أن إدارة « الإنتر »، وعلى رأسها الراحل « جياشينتو فاكيتي »، تورطت في اتصالات غير قانونية مع مسؤولي التحكيم ترقى لمستوى « الاحتيال الرياضي » (انتهاك المادة السادسة من القانون الرياضي).
رغم الإدانة الواضحة في تقرير المدعي العام، لم يُعاقب الإنتر ولم يُسحب منه اللقب لسبب قانوني بحت وهو قانون التقادم .
اللوائح الرياضية الإيطالية آنذاك كانت تنص على سقوط المخالفات الرياضية بعد مرور 5 سنوات. هذا السقوط الإجرائي رسّخ قناعة لدى أندية الخصوم بأن الإنتر فاز بـ « سكوديتو من كرتون » في المكاتب، بينما كان يمارس نفس التجاوزات التي عُوقب عليها غيره، مما جعل الصراع الإداري والقانوني بين يوفنتوس والإنتر يفوق في حدته الصراع الكروي.
3- أزمة نهائي أمم إفريقيا (CAN 2025)
بتحليل ما حدث في إيطاليا ومقارنته بالأحداث الجارية عقب نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بين المغرب والسنغال (الذي أُقيم في يناير 2026 وحُسم قانونياً في 17 مارس 2026)، هناك تقاطعات مثيرة للاهتمام في صميم القانون الرياضي الدولي وحوكمة المؤسسات الرياضية.
- سياق واقعة « الكان » 2025:
انتهت المباراة ميدانياً بفوز السنغال 1-0 بعد انسحاب مؤقت للاعبي السنغال احتجاجاً على ركلة جزاء متأخرة للمغرب، ثم عودتهم لاستكمال اللقاء.
وبعد أن اكتفت لجنة الانضباط في « الكاف » بعقوبات مالية وإيقافات، تدخلت لجنة الاستئناف قبل أيام قليلة لتقلب الطاولة، مستندة إلى المادتين 82 و84 من اللوائح، معتبرة سلوك السنغال انسحاباً موجباً للتخسير، لتُعلن فوز المغرب اعتبارياً (3-0) وتتويجه باللقب، مما دفع السنغال للجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي (TAS).
- طبيعة المخالفة (الفساد الخفي مقابل السلوك العلني):
الكالتشيوبولي: كان صراعاً حول كواليس الإدارة الرياضية والتأثير غير المشروع على تعيينات الحكام (خارج الملعب).
كان 2025: المخالفة إجرائية بحتة وحدثت علناً أمام العالم (الانسحاب من أرضية الميدان والتمرد على قرارات الحكم)، مما يجعل التكييف القانوني هنا يعتمد على التفسير الحرفي للوائح الترتيبية للمسابقة وليس على تحقيقات استخباراتية.
– إشكالية « البطل الإداري »:
يشترك الحدثان في أن « الوصيف » أو الطرف المتضرر من الأحداث نال اللقب بقرار من المكاتب المغلقة (الاتحاد الإيطالي للإنتر، والكاف للمغرب). هذه الحالات تخلق دائماً شرخاً في مفهوم « الشرعية الرياضية »، حيث يصطدم استحقاق الأداء الميداني (فوز السنغال الفعلي بالمباراة) مع الصرامة القانونية (تطبيق لوائح الانسحاب).
– سرعة الحسم والتهرب الإجرائي:
في إيطاليا، بطء ظهور الأدلة أنقذ نادي « الإنتر » من العقاب بسبب « التقادم ».
في أزمة إفريقيا 2025، الحسم الإداري داخل أروقة الكاف تم بسرعة فائقة (خلال أقل من شهرين)، مما يمنع أي تلاعب بعامل الوقت، وينقل النزاع فوراً إلى سلطة قضائية أعلى (TAS).
– دور المؤسسات الدولية ومسار التقاضي (CAF و TAS):
معركة السنغال الحالية لاسترجاع اللقب عبر محكمة التحكيم الرياضي (TAS) في سويسرا، تُشبه المعارك الماراثونية التي خاضها يوفنتوس أمام المحاكم المدنية والرياضية.
هنا سيقف قضاة الـ TAS أمام معضلة فقهية: هل يتم تغليب « الاستقرار التنافسي للنتيجة الميدانية » (بما أن الحكم سمح باستكمال المباراة)، أم يتم تغليب « الصرامة التأديبية » لمعاقبة الانسحاب حمايةً لهيبة المؤسسة (الكاف)؟
خلاصة القول، سواء في المكاتب الإيطالية عام 2006 أو في أروقة الكاف ومحكمة التحكيم الرياضي عام 2026، تظل قرارات تغيير نتائج البطولات بعد انتهاء صافرة الحكم بمثابة زلزال مؤسساتي.
هي تؤكد أن الرياضة الحديثة لم تعد مجرد صراع تكتيكي على العشب الأخضر، بل هي شبكة معقدة من اللوائح، والنفوذ، والمرافعات القانونية التي تحدد هوية البطل النهائي.



Aucun commentaire