Home»National»حديث الجمعة : (( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ))

حديث الجمعة : (( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ))

محمد شركي

لا زال الحديث مسترسلا  عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر بها الله تعالى في محكم تنزيله وهي منضوية تحت الصفة الكبرى التي نوه بها الله تعالى، وهي عظمة خلقه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام .

ويتعلق الأمر في  حديث هذه الجمعة بما جاء في  قول الله تعالى في جزء من الآية الكريمة الثالثة والتسعين من سورة الإسراء : (( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا )) ، وهي عبارة عن أمر منه جل وعلا لرسول صلى الله عليه وسلم ردا على ما كان يتحداه به كفار قريش لإثبات نبوته  بمعجزات وخوارق هم  من قرروا نوعها ،علما بأنهم كان يجحدون بمعجزة القرآن الكريم وبنبوة الرسول عليه الصلاة والسلام  ، ولم يكونوا جادين فيما تحدوه به، بل كان يرومون  الإمعان في تكذيبه .

أما ما طالبوه به فقد  حكاه الله تعالى على ألسنتهم في ما جاء قبل أمر الله تعالى  رسول صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم وهو قوله تعالى : (( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه )) ، فهكذا كان تحديهم له عبارة عن مطالب  سبعة هي :  1 ـ تفجير ينبوع في أرض مكة القليل ماؤها بحكم طبيعتها.

  2 ـ امتلاك جنة من نحيل وعنب تفجير أنهار خلالها تفجيرا.

 3 ـ إسقاط السماء كسفا أو قطعا .

 4 ـ الإتيان بالله والملائكة قبيلا .

 5 ـ وامتلاك بيت من زخرف .

 6 ـ والرقي في السماء.

 7 ـ وإنزال كتاب منها يقرأ .

  والملاحظ  أن ما طالبوه منه عليه الصلاة والسلام لم يكن  في  مقدوره  بما في ذلك  الجنة  ذات النخل والعنب بأنهار جارية  خلالها ، أو البيت المرصع بذهب ، وكان هذا التحدي منهم  بغرض التنقيص من شأنه بسبب افتقاره إلى ذلك ، كما أنه طالبوه بأمور مغيبة من قبيل الاتيان بالله تعالى عن ذلك علوا كبيرا  وبالملائكة الكرام قبيلا ، والرقي في السماء وإنزال كتاب منها يقرؤونه . وقد بلغ بهم التحدي  مطالبته  بإنزال عقاب عليهم من السماء ، فجاء الأمر من عند الله عز وجل إليه عليه الصلاة والسلام  بالرد على ذلك التحدي بالقول : (( سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا )) ،وفي هذا الرد تجلت طبيعته البشرية وما تقتضيه من أحوال ،وفي ذلك أفحام لهم على ما تحدوه  به من خوارق. ولو أنه ادعى القدرة على الإتيان بما طلبوه منه  لكان في حكم المنكر لطبيعته البشرية ،وحينئذ  سيزداد تكذيبهم له لأنهم  كانوا على يقين تام  بحقيقة طبيعته البشرية  الشبيهة بطبيعتهم .

وأما كونه رسول فقد أثبت ذلك  وبرهن عليه بما أوحى  إليه الله تعالى مما  جحدوه ،علما بأن الله تعالى تحداهم والجن  معهم أن يأتوا بمثله  فأعجزهم بذلك ، حتى اضطر أحدهم وهو الوليد بن المغيرة الذي كان على دراية بفنون كلام العرب بيانا وبلاغة إلى تبرير العجز عن الإتيان بمثله  بوصفه بالسحر افتراء  وذلك عنادا منه كما أخبر الله تعالى في سورة المدثر في قوله عز من قائل : (( كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكّر وقدّر فقتل كيف قدّر ثم قتل كيف قدّر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يوثر إن هذا إلا قول البشر )) .

وربما قد يقول قائل وما علاقة الطبيعة البشرية للرسول صلى الله عليه وسلم  بعظمة خلقه خصوصا وأن كل المرسلين كانوا بشرا ؟ والجواب هو أنه  بتلك الطبيعة  البشرية كان على ذلك قدر  كبير من عظمة الخلق  كما أثنى عليه ربه عز وجل، وهو ما لا يدرك شأوه  بشر مهما كان  لذلك لما أراد أحدهم  وصف قدره العظيم  قال :  » محمد بشر لا كالبشر بل هو ياقوتة والناس كالحجر  » ، وهو ما حاكي قول الشاعر المتنبي مخاطبا الأمير سيف الدولة  تمييزا له عن غيره من الناس :

فإن تفق الأنام وأنت منهم        فإن المسك بعض دم الغزال

فإذا كان هذا شأن أمير متميز عن الناس في نظر المادح ، فما بال تميز خير ولد آدم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام .

والذي يعنينا في هذا الحديث عن طبيعته البشرية للرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام هو أن الله تعالى أمره بالرد على من تحدوه بالتسبيح قبل تذكيرهم بطبيعته البشريته ،لأن كل ما تحدوه به من مطالب خارقة  إنما هي من  فعل الله تعالى وحده، وهو بذلك المستحق للتسبيح  والتعظيم والتقديس والإجلال والتنزيه… ، كما  أن تقديم  رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيح ربه عز وجل قبل ذكر طبيعته البشرية  هو منتهى التأدب معه  سبحانه كما أنه  يدل على براءته مما أراده الكفار منه  مما لا ينبغي له  قدرة له على فعله إلا بمشيئة الله تعالى  وأنعم به من عظيم الخلق  ، كما  دل ذكر مهمة التي خصه بها الله تعالى عقب ذكر بشريته على  منتهى الطاعة  التامة لخالقه  بحيث لا يتجاوز ما كلف به من أمر تبليغ ما أوحي إليه دون سواه  مما أراده من كانوا يجادلونه   لتعجيز  والإمعان في تكذيبه وهم على يقين تام بصدقه ،و كان الأحرى بهم أن يقنعهم  بصدق رسالته  ما  تحداهم به الله تعالى من الإتيان بمثل ما أنزل عليه وهو بلسانهم وهم يومئذ أهل بيان و فصاحة وبلاغة عوض طلب غيره من  خوارق ومعجزات  كتلك التي أيد بها الله تعالى غيره من الرسل السابقين وذلك لإقناع أقوامهم بصدق رسالاتهم  إلا أن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لم  في حاجة إلى مثلها وقد أنزل عليه  ما هو أعظم منها وهو القرآن الكريم  المعجزة الكبرى لإقناع كل العالمين إلى قيام الساعة .

مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا تذكير المؤمنين بعظمة رسولهم الكريم  صلى الله عليه وسلم  المتواضع لجلال  الله تعالى من خلال الإقرار ببشريته  أمام من تحدوه من كفار قريش وهو إقرار أكد نبوته ورسالته ، وبذلك نسب لله تعالى ما لا يحق أن ينسب لغيره ، والأمر الثاني هو تنبيههم إلى خطورة  ما يدعيه بعض البشر من خوارق  ينسبونها إلى ذواتهم أو ما يدعونه لغيرهم ممن غيبهم الموت افتراء عليهم ، وفي  كل ذلك جراءة على الله تعالى وسوء أدب معه عياذا بالله منه . ولقد درج بعض من فسدت عقيدتهم على طلب وسؤال الأموات من البشر كما يطلب ويسأل  السميع البصير الحي الذي لا يموت تعالى علوا كبيرا ،  وهم  يذيعون ذلك في العوام  ليضلوهم به وليصرفوهم عن التوجه إلى خالقهم  وحده بالطلب والسؤال، وهو شرك بواح وهم يقرؤون قول الله تعالى في سورة المائدة حكاية عن عبده عيسى ابن مريم عليه وعلى أمه السلام : (( وإذ قال الله يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق )) ، ولقد سبح عليه السلام  بدوره الله عز وجل كما سبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلب منه كفار قريش الإتيان بما ليس له بحق،كما تبرأ مما وصفه به قومه كذبا وزورا  كبراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما طلبه منه الكفار كي  يبرهن على صدق رسالته .

فكيف يجرؤ  بعض الناس بعد المسيح ابن مريم وبعد سيدنا محمد عليهما صلوات الله وسلامه على ادعاء أمور هي من شأن الله جل جلاله أو نسبتها لغيرهم أمواتا أو أحياء وقد انزلقوا بذلك إلى شرك وكفر بواح . وما معنى أن يرفع بعضهم عقيرتهم بالنداء :  » يا فلان   » لطلب ما لا يرجى إلا من الله تعالى ؟  مع الذين يوجه لهم  الدعاء  هم في عداد الأموات لا يسمعون ولا يجيبوم ، ولا يملكون ضرا ولا نفعا ؟  وما معنى أن يزعم بشر أنه أوتي من الخوارق ما لم يجرؤ على ادعائه الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم إلا ما أمرهم  ربهم بإعلانه  في الناس تصديقا لرسالاتهم كقول نبي الله سليمان عليه السلام في سورة النمل : (( وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس عُلِّمنا منطق الطير وأُوتِينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين ))  ، ولم ينسب ما عُلِّم  ولا ما أُتي لنفسه  بل اعتبره فضلا مبينا من خالقه سبحانه وتعالى .

وبناء على ما تقدم يجدر بالمؤمنين  ألا ينسبوا لبشر مهما كان ما لا ينسب إلا لله تعالى  وأن يحذروا الوقوع  في الشرك وهو ظلم عظيم  ، وعليهم أن يتأسوا ويقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في تسبيحه وتعظيمه وتقديسه  وتنزيهه لله تعالى عن الشركاء علوا كبيرا.

اللهم إنا نسألك إيمانا لا يلابسه شرك مهما كان نوعه ، ونعوذ بك من سوء التأدب معك بطلب أو سؤال من لا يسمع ولا يجيب  من خلقك ، ولا يملك ضرا ولا نفعا و لا يملك  موتا ولا حياة، سبحانك  سبحانك  جل جلالك ،وتقدس اسمك، وعز سلطانك ، لا إله سواك ولا معبود ولا مسؤول  سواك، ولا معطي ولا مانع غيرك.

اللهم إن أمة الإسلام في بلاء عظيم فارأف بها وارحمها ، وردها إلى صراطك المستقيم ردا رفيقا ، وبصرها بعيوبها ، وانصر اللهم عبادك المظلومين المضطهدين في بيت المقدس وأكنافه وفي كل مكان نصرا تعز به دينك .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *