Home»National»أحاديث رمضان :   » علاقة عبادة الصيام بعبادة الجهاد  » ( الحلقة الرابعة )

أحاديث رمضان :   » علاقة عبادة الصيام بعبادة الجهاد  » ( الحلقة الرابعة )

0
Shares
PinterestGoogle+

أحاديث رمضان :   » علاقة عبادة الصيام بعبادة الجهاد  » ( الحلقة الرابعة )

محمد شركي

من المعلوم أن قمة الجهاد في تاريخ الإسلام هو غزوة بدر الكبرى التي شرفها الله تعالى بذكرها في محكم تنزيله إذ قال في الآية الثالثة والعشرين بعد المائة من سورة آل عمران : (( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة )) . وتتجلى عظمتها في تشريف الله تعالى لها بتسمية يوم وقوعها  بيوم الفرقان ، وهو اسم شرف  به القرآن الكريم أيضا لكونه فاصلا بين الحق والباطل ، وكانت هي بمثابة الترجمة الإجرائية لهذا الفصل حيث قدر الله تعالى أن تَهزِم الفئةُ  المؤمنة القليلة عددا وعدة والمستضعفة  الفئةَ الكافرة المشركة الكثيرة العدد والعدة والمستكبرة ،لأنه سبحانه وتعالى كان يريد لدينه الذي بشر به البشرية في الرسالة الخاتمة  أن ينتشر مشرقا ومغربا في كل المعمور .

وإذا ما استحضرنا ابتهال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهو يقول :  » اللهم  أين ما وعدتني ؟ اللهم أنجز لي ما وعدتنا ،اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام ، فلا تعبد في الأرض أبدا  » أدركنا عظمة جهاد هذه العصابة المؤمنة التي أوكل إليها الله تعالى التوطيد لدينه  العظيم في الأرض ، والذي لا زال الناس يدخلون فيه أفواجا ، وسيظلون على ذلك إلى قيام الساعة .

وليس من قبيل الصدفة أن تقع هذه الغزوة العظيمة في نفس السنة التي فرضت فيها عبادة الصيام ، فكانتا بمثابة توأمين من حيث العظمة والقدسية، وقد ترتبت عن هذه التوأمة وشيجة بحيث لا تذكر هذه إلا وتذكر بذكرها الأخرى . وإذا استحضرنا أيضا أن نزول الوحي أول مرة  على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في شهر رمضان كما أخبر بذلك رب العزة جل جلاله في محكم التنزيل ،أدركنا السر الرباني الكامن وراء  تخصيص شهر عبادة الصيام بنزول الوحي على سيد المرسلين عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام وبعبادة الجهاد الذي مثلته أحسن تمثيل غزوة بدر الكبرى التي التحم فيها ملأ الملائكة الكرام صلوات الله عليهم بعصابة أهل الإسلام رضي الله عنهم التي تحولت من  قلة عدد إلى كثرة بسند ملائكي، ومن ذلة إلى عز بقدرة القادر سبحانه وتعالى الذي  لا نصر إلا من عنده ، ولا اعتبار لقوة مهما كانت أمام قوته وجبروته .

ومعلوم أن المسلمين وهم يقيمون  الركن الثالث من أركان الإسلام  صياما وقياما بإخلاص يكونون في وضعية الملائكة المقربين الذين لا يعصون الله تعالى . والمسلمون وهم صيام إذ تركوا أكلهم وشربهم ووقاعهم لله تعالى، يكونون حتما إن أخلصوا في هذا الترك متشبهين بالملائكة  في طاعتهم لله تعالى . ولا شك أن التحام الملائكة بهم يوم بدر كان التحام أطهار بأطهار وفيهم سيد الأطهار صلى الله عليه وسلم  الذي ما كان الله تعالى أن يخيب ضراعته وابتهاله من أجل نصرة عصابته المسلمة، فكان المدد الملائكي من أجل أن يسود دين الله تعالى كل المعمور .

ولعله من واجب المسلمين حين تحل بهم مناسبة يوم التحام عبادة الصيام بفريضة الجهاد ،والتحام الملأ الملائكي بعصابة المسلمين بقيادة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم أن  يتخذوا منها عيدا مجيدا يحتفى به أيما احتفاء كاعتراف منهم بنعمة الإسلام التي  أجراها الله تعالى عليهم على يد العصابة المسلمة التي قلدها أعظم مهمة في التاريخ على الإطلاق ،وهي صيانة بيضة دين الله عز وجل، ولله الفضل والمنة .

ولعله من واجبهم أيضا أن يكون لهم حظ من فريضة الجهاد على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم، وأن يحدثوا أنفسهم بها حذر الاتصاف بآفة النفاق والعياذ بالله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه ، والذي جاء فيه : « من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بالغزو ، مات على شعبة من نفاق « .

ومعلوم أن هذه الفريضة واسعة الدلالة ولا تنحصر في الغزو الذي فيه بذل الأرواح والأموال في سبيل الله ،والذي يكون  بالنزال و الدفع ، بل تشمل أنواعا أخرى من الجهاد أهمها الجهاد بتبليغ كتاب الله تعالى كما جاء ذلك في الآية الكريمة الثانية والخمسين من سورة الفرقان التي يقول فيها المولى جل شأنه  مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم : (( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ))، وقد وصف  سبحانه وتعالى الجهاد بالقرآن الكريم بأنه جهاد كبير نظرا لما يتحقق به من نشر دينه على أوسع نطاق في كل المعمور كما أراد له ذلك جل جلاله .

وليس من قبيل الصدف أيضا أن يصاحب عبادة الصيام  عبادة القيام بالقرآن الكريم ليكون ذلك أولا جهادا للأنفس  التي تقهر بالإمساك عن الشهوات ، كما  ترد لجمها  وتكبح باستعراض  مضامين القرآن الكريم ،فيكون هذا الاستعراض عبارة عن محاسبتها عن كل انحراف عنها حين تمر بالمسلم والمسلمة آيات الذكر الحكيم الآمرة أو الناهية، فيعرض كل منهما نفسه عليها  لقياس المسافة بينه وبين ما أُمر به وما نُهي عنه ، وذلك  هو جهاد النفس الكبير .

وفضلا عن جهاد الأنفس المؤمنة بالقرآن الكريم، يجب الاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده  أولا  جهاد العصاة من المسلمين من أجل ردهم إلى صراط الله المستقيم، وعدم طاعتهم فيما هم عليه من عصيان ثم  بعد ذلك جهاد من ليسوا مسلمين وهم فريقان : فريق لا يكن عداء لدين الإسلام، وقد خص الله أصحابه بآيات خاصة بهم يُجاهَدون بها ،والتي يجب أن تُبلغ لهم ،  وفريق يعاديه شر عداوة ، وقد خص أصحابه أيضا بآيات خاصة يُجاهدون بها جهادا كبيرا والتي يجب أن تُبلغ لهم ، ولا يطاعون فيما هم عليه من عداء لدين الله عز وجل .

ومن لم يمارس هذا النوع من الجهاد بالقرآن الكريم على قدر وسعه  وحظه من العلم به في الحالتين ، ولم يحدث نفسه بذلك، فإنه ميت لا محالة على شعبة من النفاق والعياذ بالله . ولا عذر لأحد  والرسول القدوة وإلإسوة فيما صح عنه  يقول :  » بلغوا عني  ولو آية  » ،وذلك من الجهاد بالقرآن الكريم  الذي أمر به الله تعالى رسوله والمؤمنين .

ومن أوجب واجبات المسلمين اليوم بهذا النوع من الجهاد وقد تقاعسوا عن الجهاد بالأنفس والأموال وحرمات الله تنتهك من طرف أعداء دينه ، ومقدساته تدنس ، والمستضعفون من عباده يسامون الخسف ، ويعتدون على دينه وعلى كتابه ورسوله بشتى أنواع العدوان ، ولا يجاهدون بالقرآن وقد بيّن لهم  الذي يجب أن يجاهدونهم به كل على حسب جرمه واعتدائه كفارا ومشركين ومنافقين .

ومن التخلف عن جهاد هؤلاء بالقرآن الكريم أن يتحرج المسلمون من مواجهتهم بما أنزل الله تعالى فيمن كانوا أمثالهم كفرا وشركا ونفاقا حتى أن بعض ما أنزل فيهم صار يُتجنب  إرضاء  وطاعة لهم ،وهو الذي نهى الله تعالى عنه ، وحث على التصدي له .

وأقبح عجز يكون في المسلمين هو أن يحل بهم شهرعبادة الصيام وهم لا يؤدون ما عليهم من واجب  فريضة الجهاد سواء جهاد الدفع بالنفس والمال أو الجهاد بالقرآن شكرا لله تعالى على نعمة الإسلام الذي بلغه  لنا رسوله صلى الله عليه وسلم والعصابة المؤمنة التي ضحت من أجله يوم الفرقان . ورب جهاد بالقرآن والمسلمون على ما هم عليه من استكانة  وضعف وذلة أن يكون في ذلك عذر لهم عند ربهم يوم لقائه ، وهو خير لهم  من أن لا يحركوا ساكنا كما هم عليه اليوم . وما النصر إلا من عند الله القوي العزيز .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *