الحرب الدائرة حاليا في منطقة الشرق الأوسط تنذر بعودة حركات استعمارية جديدة كالتي مضت في القرن التاسع عشر

الحرب الدائرة حاليا في منطقة الشرق الأوسط تنذر بعودة حركات استعمارية جديدة كالتي مضت في القرن التاسع عشر

محمد شركي
لقد تبين بما لا يدع مجالا لأدنى شك بأن الحرب الدائرة الآن في منطقة الشرق الأوسط ا وراءها هدف السيطرة على حقول النفط والغاز العربية منها الإيرانية، وربما حقول أخرى في المناطق المجاورة . والمؤشر على صحة هذا الدافع هو ما سبق في فنزويلا مؤخرا حيث تم استيلاء الولايات المتحدة على حقولها بعد اعتقال رئيسها وقد اتخذت منه ذريعة للتمويه على هذا الاستيلاء ، وهي محاولة مسبوقة بعملية غزو العراق بنفس الذريعة والسطو على بتروله لفترات ستطول ، وهذا السيناريو يتكرر اليوم مع إيران والمؤشر على ذلك هو إزماع الرئيس الأمريكي على الاستيلاء على جزيرة » خرج » من أجل السيطرة على النفط والغاز الإيرانيين وهو الذي لا تعوز الذرائع للإقدام على ذلك كما هو الحال مع النظام الإيراني الذي شنت علبه الحرب تحت ذريعة محاولة امتلاكه سلاحا نوويا يهدد الوجود الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط وهو ما يعتبر أيضا تهديدا لأمن الولايات المتحدة الأمريكية القومي وللسلم في عموم العالم على حد زعمه .
ومعلوم أن الرئيس الأمريكي كان قد قدم وعودا للأمريكيين خلال حملته الانتخابية بتوفير الرفاهية الاقتصادية لهم ، ومضى بعد فوزه مباشرة في التحرك نحو مصادر تمويل هذه الرفاهية بوسيلتين إما الابتزاز كما فعل مع دول الخليج أو عن التهديد بالغزو كما حدث في فنزويلا ، وكما لوح به بالنسبة لغزة ، ولجزيرة جريلاند و كندا بذرائع مكشوفة . ولا شك أن ما كان يريده من وراء ما سماه حوارا مع النظام الإيراني في عمان وفي جنيف هو وضعه أما الخيار بين قبول الابتزاز أو التعرض للغزو الذي لم يتأخر ولما ينتهي ذلك الحوار بساعات فقط الشيء الذي يعني أن النظام الإيراني رفض الخيار الأول الذي كان يطمع الرئيس الأمريكي أن يوفر عليه كلفة الغزو .
ومما يدعو إلى اعتبار الحرب الدائرة الآن في منطقة الشرق الأوسط منذرة بحركة استعمارية جديدة كما تنبأ مرارا بذلك المفكر الكويتي عبد الله النفيسي وغيره من المفكرين والباحثين الأكاديميين أن الأطراف التي يبدو أنها متورطة في هذه الحركة قد بدأت تحرك ناقلات طائراتها الحربية نحو منطقة الحرب كما صرح بذلك الرئيس الفرنسي وتلاه بنفس التصريح رئيس الوزراء البريطاني وقد تزامن تصريحهما مع تصريح الرئيس الأمريكي بأن أصدقاءه يقفون معه في حربه على إيران ، وفي نفس الوقت عاتب المتخلفين عن دعمه معبرا عن استغنائه عنهم وكأنه يلمح بذلك إلى حرمانهم من الغنيمة التي أشعل هذه الحرب من أجل الظفر بها هو وحلفاؤه .
وليس من قبيل الصدف أن تتحرك فرنسا وبريطانيا نحو منطقة الشرق الأوسط وهما الدولتان الاستعماريتان اللتان قسمتا تركة الأتراك العثمانيين بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى بموجب ما سمي معاهدة سايكس بيكو ، وهما من وطّنتا الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي كي يسد مسد مسمار جحا بحلمه التلمودي التوسعي ليكون ذريعة للتدخل في هذا الوطن بدعوى حمايته من التهديد بالزوال والعودة إلى سابق عهده بالعيش في شتات عبر بقاع المعمور. وربما قد تلتحق بفرنسا وبريطانيا دول أوربية أخرى حتى لا تخسر نصيبها من الغنيمة وبذلك سيتحقق سيناريو عودة الاستعمار الغربي إلى أقطار الوطن العربي ، وتسد مسد ذريعة الحرب على تركيا العثمانية ذريعة الحرب على إيران الفارسية من أجل استبدال نظامها كما استبدل النظام العثماني بالنظام الأتاتوركي العلماني .
ولقد بدأ الانزعاج من تهديد إيران لمصادر الطاقة في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر عصب اقتصاد الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تخوض تنافسا شديدا على ريادة العالم اقتصاديا مع التنين الصيني الذي بدأ منذ مدة يهدد وضعها الاقتصادي و ينافسها على أحادية الهيمنة على العالم بعد تفكك الاتحاد السوفياتي الذي يحاول اليوم الرئيس الروسي لملمة شتاته من جديد وهو هدف من أجله غزا أوكرانيا كي يعيدها إلى بيت الطاعة من جديد في انتظار أن يعيد غيرها أيضا من الجمهوريات المنفصلة حين تسنح له الفرصة ، وقد يتخذ من تحرك الدول الغربية في أوروبا نحو منطقة الشرق الأوسط طمعا في السيطرة على ثرواتها الطاقية مقايضة لإخضاع كل الأقطار التي انفصلت عن الإمبراطورية السوفياتية . ومن يدري قد تكون هناك طبخة غير معلنة قد طبخت مع الإدارة الأمريكية ،والمؤشر على ذلك أن هذه الأخيرة قد بدا منها ما يدل على سكوتها عن اقتطاع بوتين مناطق من أوكرانيا ذات مقدرات يطمع الرئيس الأمريكي في نصيب منها ،وهو ما لم تقبل به دول أوروبية ما لم تحصل بدورها على مقابل ، وقد بدا أن هذا المقابل هو ما حركت من أجله فرنسا وبريطانيا حاملات طائراتهما ، وربما قد تتحرك حاملات طائرات أخرى لأقطار أوروبية هي في أمس واشد الحاجة إلى الطاقة التي هي ترياق اقتصادها ورفاهية شعوبها ،وبذلك يصير سيناريو استعمار غربي جديد في منطقة الشرق الأوسط أمرا فوق الاحتمال ما لم يحدث ما يحول دون ذلك إذا ما توسعت دائرة هذه الحرب الدائرة اليوم ، ودخلتها أطراف أخرى لها مصالح أيضا في هذه المنطقة التي ينطبق على شعوبها وصف القائد طارق بن زياد رحمه الله : » كالأيتام في مؤدبة اللئام.
فإلى متى سيظل العالم الإسلامي عموما الشطر العربي منه على وجه الخصوص محط أطماع القوى الاستعمارية الغربية المتربصة به طمعا في مقدراته التي هي ناهبة لها من زمان بطريقة أو بأخرى بما فيها التهديد بالغزو وقلب الأنظمة ؟ وهل ستلجأ شعوب هذا العالم من جديد إلى اعتماد نهج الحركات التحررية من أجل استقلال جديد لا يكون مشوبا بالوصاية الغربية ولا بالتحريش بين أنظمة أقطار هذا الوطن البائس بالزج بها في صراعات سياسية وطائفية لتمديد فترات تمزق أقطاره والحيلولة دون وحدة تصون بيضته وسيادته ومناعته وكرامته وهو ما يضع حدا للطمع في مقدراته وثرواته التي صارت بسبب طمع الطامعين نقما وهي نعم قد حباه بها الله عز وجل ؟؟؟



Aucun commentaire