Home»Islam»حديث الجمعة : (( قل إني على بيّنة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ))

حديث الجمعة : (( قل إني على بيّنة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( قل إني على بيّنة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ))

محمد شركي

استئنافا للحديث  عما ورد في الذكر الحكيم من صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تندرج كلها تحت ما نوه  به الله تعالى من عظمة خلقه ، سنقف  في حديث هذه الجمعة مع حاله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام وهو يجادل الضالين من المشركين الذين كانوا  يكذبونه، ويتحدونه باستعجال إنزال العقاب بهم لتأكيد نبوته .

ولا بد أولا وقبل الخوض في هذه الحال من أحواله أن نذكّر بأن الله تعالى قد وجه إليه الأمر بالقول للإخبار عما كان يُوحى إليه  به في أكثر من ثلاثمائة موضع في الذكر الحكيم ، ومنها ما جاء في الآية الكريمة السابعة والخمسين من سورة الأنعام التي قال فيها الله عز وجل : (( قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين )) ، فالواضح مما سبق هذه الآية الكريمة، وما تلاها أن  القول الذي أمر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام الرد به على من كان يجادلهم من أهل الكفر والشرك سببه هو التحدي الذي كانوا يواجهونه به وهو طلبهم استعجال إنزال عقاب الله تعالى بهم  بعدما حذرهم منه في الآية الكريمة السابعة والأربعين من نفس السورة التي جاء فيها : (( قل أرآيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ))، وقد كانوا يطلبون ذلك كما جاء في الآية الكريمة في الآية الثانية والثلاثين من سورة الأنفال حيث قال الله تعالى على لسانهم : ((  وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو اِئتنا بعذاب أليم )) ،وكان هذا التحدي منهم موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  تعبيرا منهم عن إنكار نبوته والتكذيب بما جاءهم به من عند الله عز وجل . ومعلوم أن الله عز وجل إكراما لرسوله صلى الله عليه وسلم لم ينزل بهم ما كانوا يستعجلونه من عذاب كما جاء في الاية الكريمة  الثالثة والثلاثين من نفس السورة : (( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم …الآية  )) .

ولقد جاء الرد عليهم  في الآية موضوع حديث هذه الجمعة كما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو تأكيد ما كان عليه من حق قد كذبوا به  بالقول : (( قل إني على بيّنة من ربي وكذبتم به )) . ومعلوم أن البيّنة كما جاء في كتب التفسير هي صفة لموصوف محذوف  يكون معلوما من قبل وهو الدليل البيّن أوالحجة الواضحة والثابتة والمؤكدة للحق ،والتي لا يلابسها شك ولا يصح معها تشكيك ، وهي  في سياق هذه الآية دالة على يقين رسول الله صلى الله عليه وسلم التام بما أوحي إليه به من عند ربه سبحانه وتعالى . وقد ورد  بخصوص لفظة بيّنة  في اللسان العربي قولهم :   » فلان على بينة من كذا أو على بصيرة منه   » وذلك  للدلالة على إحاطته به ،وتمكنه من المعرفة به . وقول الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على قوة  ورسوخ يقينه من  ثبوت وصحة ما كان يوحى إليه من عند الله تعالى وهو وحيه قرآنا وسنة . ومعلوم أن المقول الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إشارة من الله تعالى إلى ما حلاّه به من جميل وكريم الصفات، ويتعلق الأمر بصفة قوة وشدة اليقين ، وهذه الآية شاهدة على ذلك .وليس كل الناس على درجة يقينه صلى الله عليه وسلم ،وهو يقين خصه به الله تعالى كما خص به  كل الرسل من قبله صلواته وسلامه عليهم أجمعين . وعند التأمل في هذه الصفة الحميدة ندرك ضرورتها وأهميتها في تبليغ رسل الله رسالاته لمن بعثوا فيهم إذ لا بد من  أن يستيقنوا أولا  بها قبل تبليغها  خصوصا وهي تتضمن إخبارا بما غيبه الله تعالى مما لا يؤلف في عالم الشهادة . ولقد قص علينا القرآن الكريم كيف كان أقوام المرسلين يتلقون أنباء الوحي المنزل عليهم بذهول واستغراب لسماع ثم  يجادلونهم فيه لأنهم لم يألفوا سماعه من قبل، ولذلك كانوا يكذبونهم، وهو ما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي واساه الله تعالى في  الآية الكريم الرابعة الثلاثين من سورة الأنعام بقوله جل وعلا  : (( ولقد كُذِّبتْ رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين )) . ويستفاد من هذه الآية الكريمة أن  صفة اليقين تقتضي بالضرورة التحلي بالصبر على التكذيب  الذي هو في حد ذاته إذاية ، فضلا عن غيره من أنواع الإذايات الأخرى التي كان يتعرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن  سبقوه من المرسلين . ولقد كانت  قوة صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  على إذاية المشركين في مستوى قوة يقينه بما أنزل الله  تعالى عليه من الحق ، وهو صبر لا يُضَاهى ، ولا يبلغ فيه الخلق كله شأوه عليه الصلاة والسلام .

ومما يستفاد من الآية الكريمة موضوع هذا الحديث أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رده على استعجال المشركين إنزال العقاب بهم قد تبرأ مما استأثر الله تعالى بعلمه وبالقدرة عليه إذ نفى  عن نفسه العلم به، وفي ذلك دحض لما كانوا يتحدونه به مع أنه لم يكن يدعيه أو ينسبه لنفسه ،وقد جعل الله تعالى خير فاصل بينه وبينهم لأن الحكم بيده وحده سبحانه  وتعالى ، وأن الذي أوحى به إليه هو الحق الذي لا شك فيه  .

مناسبة حديث هذه الجمعة هو تذكير المؤمنين بقوة يقين رسول  الله صلى الله عليه وسلم  بما أوحى إليه الله تعالى  حين  يجادله المشركون المكذبون ، وبقوة صبره  على إذايتهم له  بالتكذيب و التحدي بطلب ما لم يدع  القدرة عليه من إنزال العقاب بهم . ولما كان  الله تعالى قد جعله عليه الصلاة والسلام إسوة وقدوة للمؤمنين وجب  تذكيرهم بما يجب عليهم من تأس واقتداء به  حين يجدون أنفسهم في موقف مجادلة من ينكرون الوحي قرآنا  كريما و سنة مشرفة وما أكثرهم في هذا العصر . وأول ما يُتأسى به هو الاتصاف بصحة وقوة اليقين بأن هذا الوحي هو من عند الله تعالى دون أدنى شك أو ريب أو تردد . ومعلوم أن من يخامره أدنى شك في هذا الوحي لا يقين له ، وعليه أن يراجع إيمانه ، وهو إلى جانب ذلك ليس أهلا لمجادلة المشككين في  الوحي ممن يتقنعون بقناع الانتساب الكاذب إلى القرآن الكريم  إذ يسمون أنفسهم  » قرآنيين  » لتبرير إنكارهم السنة النبوية المشرفة التي هي وحي أيضا  أو الذين يجاهرون من العلمانيين بإنكار حجيتها وصدقيتها والطعن فيها وفي من نقلوها إلينا من الأئمة الثقاة الذين لم يجرؤ أحد من قبل على الطعن في مصداقيتهم .

وما أكثر ما يجد بعض المؤمنين أنفسهم في مواجهة مثل هؤلاء المشككين في الوحي قرآنا وسنة ، ويتعرضون لأنواع من التحدي الصادر عنهم لزعزعة يقينهم به وقد لا يجدون ما يردون به على هذا التحدي مع أن الله عز وجل قد أمر رسوله حين تحداه المشركون بالقول : (( قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به)) وكفى بهذا الرد ردا مفحما على كل تحد مهما كان نوعه، ذلك أن المؤمنين  يلزمهم أن تصدر ردودهم في مجادلة المشككين عن الوحي قرآنا وسنة دون غيرهما تجنبا لجر هؤلاء المشككين لهم إلى ما لا وثوق بمصداقيته، لأنهم  إذا ما سايروهم  في أهوائهم أوقعوهم في المحظور وهو فقدان اليقين بالوحي. ولقد سبق الآية الكريمة موضوع هذا الحديث الآية الكريمة السادسة والخمسين التي  يقول فيها الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام : (( قل إني نهيت أن أعبد الذي تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ))، وحسب المؤمنين هذه الاية الكريمة إذا ما استدرجوا إلى مجادلة المشككين في الوحي قرآنا كريما وسنة مشرفة .

ولا بد أيضا من تنبيه المؤمنين إلى أن ينأوا بأنفسهم عن ادعاء شيء مما استأثر الله تعالى بعلمه وبالقدرة عليه تأسيا واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يسلكوا أساليب بعض من يدعون مثل ذلك افتراء وكذبا على الله تعالى طمعا في استدراج الناس إلى ما لم ينزل به الله تعالى من سلطان وطمعا في أموالهم .

اللهم ارزقنا حسن اليقين فيما أنزلت على رسولك الأمين عليه الصلاة والسلام، وثبتنا على ذلك حتى نلقاك لا مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين .

اللهم انصر عبادك المؤمنين المستضعفين في  بيت المقدس وأكنافه نصرا تعز به دينك ، وأهلك اللهم الطغاة الظالمين فإنهم لا  يعجزونك وأنت فوقهم القاهر سبحانه .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *