أحاديث رمضان: » من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه » ( الحلقة الثالثة )

أحاديث رمضان: » من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه » ( الحلقة الثالثة )
محمد شركي
هناك بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي ترددها الألسنة مع حلول شهر الصيام لارتباطها به . ومن تلك الأحاديث حديث تصفيد مردة الشياطين الذي مر بنا في حلقتين سابقتين من هذه السلسلة، وحديث هذه الحلقة الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : » من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه « ، وهو حديث يساق في موضوع مفسدات الصوم .
والغالب على كثير من الناس أنهم حين يسمعون كلمة » الزور » مضافة إلى كلمة » شهادة » ينحصر فهمهم في الشهادة الكاذبة أو الباطلة أو الملفقة التي يترتب عنها الإضرار بالغير . ولعل الذي يحملهم على هذا الفهم هو ما جاء في الآية الكريمة الثانية والسبعين من سورة الفرقان التي يقول فيها الله تعالى في سياق تعداد مناقب عباده الصالحين الذين نعتهم بعباد الرحمان : (( والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما )) .
وإذا كانت هذه الآية الكريمة قد ركزت على زور الشهادة التي قد تقتصر على ما ينطق به اللسان أو ما تعاينه العين أو ما تلتقطه الأذن ، فإن الحديث الشريف موضوع هذه الحلقة قد تعدى قول الزور إلى العمل به ، الشيء الذي يعني أنه يشمل القول والفعل معا خلاف ما يشتهرعند أغلب الناس .
وقبل الخوض في دور الزور قولا وعملا في إفساد عبادة الصوم لا بد أن نقف عند الغاية من الإمساك الذي هو عمادها ، وهو حبس النفس أو منعها نهارا من شهوتي البطن والفرج . وإن من يحبسها عن هاتين الشهوتين في خلوة لا يطلع عليها إلا الذي يعلم السر وأخفى سبحانه وتعالى يكون بالضرورة أقدر على حبسها عما دون ذلك من الأقوال والأفعال السيئة في سره وعلنه بعد تدربه على ذلك بواسطة هذه العبادة التي جعلها الله تعالى بينه وبين عباده.
ولا بد من الإشارة إلى أن الزور يشمل الأقوال والأفعال ويكون صلة بينها حيث يوجد في أقوال مرتبطة بأفعال . وقد يتنبه البعض إلى زور الأقوال مع الغفلة عن زور الأفعال . وكمثال على ذلك نذكر على سبيل المثال لا الحصر المعاملات التجارية التي تبدأ بأقوال بين المتعاملين باعة ومشترين، وتنتهي بأفعال حيث تدفع الأموال مقابل المشتريات أو المبيعات . وقد يحصل في هذه المعاملات زور الأقوال من المتعاملين فيكذبون على بعضهم البعض طمعا في الربح والباعة والمشترون سواء في ذلك إذ يزين الباعة مبيعاتهم ويصفونها زورا بالجودة وهي عكس ذلك كما أن المشترين قد يبخسونها وهي جيدة وهو زور أيضا، وأقول هؤلاء وهؤلاء كلها من صميم الزور لأنها كذب وباطل . وعندما تعقد الصفقات المسبوقة بزور الأقوال يترتب عنها هذا الأخير زور الأفعال التي هي البيوع .
وعلى غرار وقوع الزور في المعاملات التجارية يقع الزور أيضا في كل أنواع المعاملات المختلفة ،ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك في الوظائف سواء في القطاعات أو المرافق العامة أو الخاصة حيث يرتبط الموظفون بمعاملة مع من يوظفونهم سواء كانوا أشخاصا حقيقيين أو معنويين . ويقع الزور في الوظائف بنوعيه زورالأقوال وزورالأفعال حيث يحصل الزور من المُوظَّفين كما يحدث ممن يوظفونهم ، فلا يصدق لا هؤلاء و لا أولئك في أقوالهم وأفعالهم . وكثيرا ما يقع ذلك منهم دون وعي منهم بأنهم متورطون في الزور المنهي عنه شرعا . وما قيل عن وقوع الزور في الوظائف يصدق على الزور في مختلف المهن والحرف التي يجعلها القرآن الكريم كلها بيعا كما جاء في الآية الكريمة التاسعة من سورة الجمعة حيث يقول الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون )) ، وهو تعبير دقيق ذلك أن كل المعاملات كيف ما كان نوعها يكون فيها أطراف يتبدلون فيما بينهم المنفعة سواء كانت مادية أو معنوية .
ولنعد إلى الحديث الشريف الذي نهى عن زور الأقوال والأفعال المفسد لعبادة الصوم على حد سواء، وندعو كل الصائمين والصائمات إلى الانطلاق من موقع مسؤولياتهم والتثبت من سلامة صومهم من إفساد الزور له بنوعيه . وهنا نذكر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه :
» كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن أهله ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسوؤولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » .
فهذا الحديث الشريف وهو من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إشارة إلى مكونات المجتمع المسلم حيث أشار إلى الراعي والرعية ويدخل تحت هذا كل من قلد مهمة في المجتمع من أعلى مهمة إلى أدناها، كما أشار إلى الأسرة التي هي نواة المجتمع وطرفاها الزوجان ، فضلا عن الإشارة إلى كل أنواع المعاملات التي تكون بين خادم ومخدوم . وقد أغنى هذا الحديث عن تعداد المعاملات تماما كما أغنت الآية الكريمة عنها بنيابة البيع عنها .
ولا شك أن الصائمين والصائمات يحرصون على سلامة صيامهم من كل ما قد يفسده ،والحديث الشريف موضوع هذه الحلقة ينبههم إلى أخطر مفسد لصيامهم وهو الزور الذي يكون في الأقوال والأفعال على حد سواء . وإذا كان الأمر كذلك فعليهم تجنبه من موقع مسؤولياتهم . وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : » فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه » يدل على أن الغاية من ترك الطعام والشراب في شهر الصيام هو التربية على الصدق مع الخالق عز وجل ثم الصدق مع الخلق ، ولا يمكن أن يصدق الصائمون والصائمات مع الله تعالى بتركهم الطعام والشراب والوقاع وهو مطلع عليهم في خلواتهم ، ولا يصدقون مع بعضهم البعض مع تعذر اطلاعهم على ما يخفون وما يضمرون مما قد يكون زورا في أقوالهم وفي أفعالهم . والله تعالى ليس له حاجة في ترك الطعام والشراب صدقا معه مع إتيان الزور في الأقوال والأفعال مع خلقه لأن الغاية من عبادة الصوم هي تربية الخلق على الصدق مع بعضهم البعض على غرار الصدق مع الله عز وجل في عبادة هي أبعد ما تكون عن الرياء .
فهل سيراجع الصائمون والصائمات كل من موقعه ومن مسؤوليته صومه للتأكد من خلوه من زور الأقوال والأفعال ؟؟؟
نسأل المولى جل وعلا أن يعيننا على حسن الصيام بالاحتراز من كل ما يفسده ، ويضيع علينا أجره وجائزته وعلى رأس المفاسد ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف وهو قول الزور والعمل به آمين .



Aucun commentaire