Home»Islam»حديث الجمعة : (( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ))

حديث الجمعة : (( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ))

محمد شركي

يستمر الحديث في هذه السلسلة المتعلقة باستعراض صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت في الذكر الحكيم، وهي  كلها متعلقة بعظمة خلقه الذي نوه به الله تعالى ومتفرعة عنه . ويتعلق الأمر في هذا الحديث بوقفة مع الآية الكريمة الواحدة والستين بعد المائة من سورة الأنعام التي يقول فيها الله عز وجل مخاطبا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم : (( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين )) ، ففي هذه الآية الكريم إشارة إلى الحال التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه في تدينه ، والتي ترتبت عنها صفات المهتدي والهادي والحنيف . ومعلوم أن  لفظة المهتدي في اللسان العربي  تطلق  حقيقة على الذي يتعرف على الطريق الصحيح كما تطلق مجازا على الساعي إلى ما فيه الخير . ومعلوم أن من يتعرف الطريق الصحيح يكون بالضرورة هاديا غيره  إليه ، كما أن الساعي إلى ما فيه الخير يكون  بالضرورة هاديا غيره إليه  أيضا ، وناصحه به .

والملاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة  إنما نسب اهتداءه إلى ربه سبحانه وتعالى ، ولم ينسبه إلى نفسه إجلالا لله تعالى ، واعترافا بفضله عليه ، وثناء على ربوبيته سبحانه وتعالى  وإقرارا بمربوبيته عليه الصلاة والسلام ، وكذلك كان شأنه عليه الصلاة والسلام في كل أحواله وصفاته، لا يدعي لنفسه شيئا منها، وإنما ينسبها لربه سبحانه وتعالى، ولذلك أثنى الله تعالى على عظمة خلقه .

ومعلوم أن الصراط المستقيم على  في حقيقة هو الطريقة الواضحة  الواسعة  ، ويستعمل مجازا للدلالة على الدين الصحيح والقويم الذي لا اعوجاج ولا انحراف فيه عن الحق ولا فساد فيه ،  وهو عند الله عز وجل دين الإسلام الذي لا يقبل من عباده غيره ، ولا يرضى لهم غيره.  ولقد أعقب ذكر الصراط المستقيم في الآية الكريم توضيح له وهو قوله تعالى (( دينا قيما )) وهو بمثابة بيان لطبيعة الصراط المستقيم  ذلك أن هذا الدين منزه عن الاعوجاج أو الانحراف لأن لفظ القيم  مشتق من القيام  الذي يدل على الاعتدال  كما هو شأن الإنسان إذا وقف معتدل القامة ، وقد عد بعض المفسرين أن لفظ قيّم هو وصف بصيغة المبالغة للدلالة على شدة استقامته واعتداله ، ودين الإسلام  أيضا قيّم بالأمة المسلمة  كما يقال فلان قيّم على كذا إذا كان هو المشرف عليه والمدبر له .

ولمزيد من توضيح شأن هذا الدين قال الله تعالى : (( ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين )) و لفظة الملة مرادفة  للفظتي الدين أوللشريعة . ومعلوم أن الله تعالى بعث المرسلين بدين الإسلام  الذي يقوم أساسا على عقيدة توحيده  ، وانطلاقا من هذه العقيدة  الراسخة شرع  لكل أمة  ما يناسب استقامة  وصلاح أحوالها . وكانت ملة إبراهيم الخليل عليه السلام  أو شريعته هي الحنيفية السمحة   التي هي التزام الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها أي موحدون يجانبون  الميل عن التوحيد إلى الشرك، وقد أكد ذلك قوله تعالى : (( وما كان من المشركين )) ،وهو ما يعني أن الحنيف هو الموحد وهو نقيض المشرك .

وإذا تمعنا في الآية الكريمة موضوع هذا الحديث، نلاحظ أن الله تعالى قد أثبت صفة الهداية لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأمره بالتصريح بها لمن كانوا يجادلونه  في توحيده من المشركين ، وطبيعة هذه الصفة أنها التزام صراط مستقيم الذي هو دين الإسلام  القيم سيرا على نهج  نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام وهي ملة الحنيفية السمحة ، ويترتب عن ذلك أنه  كان عليه الصلاة والسلام حنيفا  حنيفية إبراهيم الخليل عليه السلام  الذي وصفه الله تعالى في محكم التنزيل بالمسلم .

مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا تذكير المؤمنين بشمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء ذكرها في القرآن الكريم ، وثانيا تنبيههم إلى واجب الاقتداء والتأسي به  لأنهم مأمورون شرعا بذلك ، وهو ما يلزمهم بأن يكونوا مثله مسلمين موحدين وحنفاء وثابتين على صراط الله المستقيم ، وعلى الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها ، كما يلزمه أن يعترفوا ويقروا  بنعمة الهداية التي أنعم بها الله تعالى عليهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يدعون شيئا منها لأنفسهم، وأن يكون شعارهم : »  إنا هدانا ربنا إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة رسولنا صلى الله عليه وسلم وملة  أبينا إبراهيم عليه السلام .

ولا بد من تنبيه  الأمة المؤمنة  في هذا الظرف بالذات الذي تمر به وقد أريد  الجمع  بين دين الإسلام وغيره من ديانات منحرفة عن التوحيد بشهادة القرآن الكريم  تحت مسمى الديانة الإبراهيمة . وما أحوج الأمة إلى تدبر هذه الآية الكريم  موضوع  هذا الحديث، والتي أمرالله تعالى فيها رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغها للمشركين ردا على شركهم ، و يبلغها أيضا للمؤمنين لتكون لهم دعوة إلى الثبات على دين الإسلام الذي هو ملة رسولهم صلى الله عليه وسلم كما كان أيضا ملة خليل الله إبراهيم عليه السلام  وقد برأه الله تعالى من التهود والتنصر وقد لا بسهما  التحريف الذي أوقعهما في  الشرك وهو انحراف عن حنيفية الخليل عليه السلام كما جاء الآية الكريمة السابعة والستين من سورة آل عمران التي يقول فيها الله عز وجل : (( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين )) ،ويفهم من نفي التهود والتنصر عن الخليل عليه السلام الوارد  في هذه الآية الكريمة إشارة  واضحة لا غبار عليها إلى ما اعترى التهود والتنصر من شرك ذكر في الآية الكريمة الثلاثين من سورة التوبة التي يقول فيها الله تعالى : (( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يوفكون ))، كما ذكر في الآيات الكريمة  الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة  بعد الستين من سورة آل عمران حيث قال الله تعالى : (( يا أهل الكتاب لما تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون  ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم  والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين  ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون )) .

 ولا مبرر بعد هذا الذي بينه الله تعالى  لمن يريدون الجمع بين التهود والتنصر والإسلام تحت أي مسمى مهما كان . ومن أراد من أهل الكتاب أن يصح انتسابه العقدي  إلى خليل الله إبراهيم عليه السلام كما يدعون افتراء على الله تعالى، فعليه اتباع ملة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي هي ملة إبراهيم المسلم الحنيف  بشهادة القرآن الكريم  الكتاب الذي لا يأتيه باطلا من بين يديه ولا من خلفه والمصدق لما معهم والمهين عليه .

اللهم ثبتنا على صراطك المستقيم دينك القيم ملة نبينا محمد وملة خليلك إبراهيم عليهما أفضل الصلوات وأزكى السلام .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *