حديث الجمعة : (( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلا نذير وبشيرلقوم يؤمنون))

حديث الجمعة : (( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلا نذير وبشيرلقوم يؤمنون))
محمد شركي
يتواصل الحديث في هذه السلسلة عن صفات وسجايا وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في الذكر الحكيم . وحديث هذه الجمعة يتعلق بما ورد في الآية الكريمة الثامنة والثمانين بعد المائة من سورة الأعراف التي يقول فيها الله تعالى مخاطبا رسوله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام : (( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون )) ، وقد تقدمتها آية أخبر فيها الله تعالى عن سؤال المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موعد يوم القيامة سؤال الذين لا يكذبون بها كما يكذبون من أخبرهم عنها ، وقد كان سؤالهم عنها بمثابة استهزاء بمخبرهم عنهالذلك ألحوا عليه بالكشف عن موعدها لكن الله عز وجل أمره بأن يبلغهم أنه سبحانه وتعالى قد استأثر وحده بعلمها ، وأن الإخبار عن موعدها ليس مما أمر به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأنه مما لم يكشف له عنه ،ولا لغيره من المرسلين أو من سائر البشر ، وكل ما أمر به هو تأكيد وقوعها في وقت علمه عند من يجليها جل جلاله .
والآية موضوع هذا الحديث يستفاد منها حال من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو براءته التامة مما كان المشركون يتحدونه به من كشف عما غيبه الله تعالى واستأثر بعلمه وحده . ولقد أكد قوله صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى بالرد به عليهم أنه لا يعلم الغيب الذي كانوا يرومون سماعهم منه ، وفي نيتهم وما يخفونه سيء القصد وهو التكذيب برسالته أن يقيموا عليه حجة إن أخبرهم بأمر قد لا يحدث ولا يحصل . والغيب الذي كانوا يتحدون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكشف عنه هو من أمور الدنيا لهذا أمره الله تعالى بالرد المناسب وهو قوله تعالى : (( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله )) وهو خلاف الرد عليهم عندما سألوا عن موعد القيامة وهو قوله تعالى : (( قل إنما علمها عند ربي لا يجلّيها لوقتها إلا هو )) . وكون الرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا دليل على أنه لا يدعي علم الغيب إذ لو كان يعلمه لحرص على نفع نفسه وعلى دفع الضر عنها . ولقد جاء في بعض كتب التفسير أن المشركين سألوه صلى الله عليه وسلم هل يمكن أن يخبره ربه سبحانه وتعالى عن الأسعار الرخيصة في الأسواق قبل غلائها كي يغتنم ذلك ، وعن الأرض التي تجدب كي يرحل عنها طلبا للخصب في غيرها . ولقد تبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أرادوه منه نافيا قطعا أنه لا يدعي معرفة ما غيبه الله تعالى إلا إذا شاءت إرادته الكشف عنه . وتأكيدا لنفي علم الرسول عليه الصلاة والسلام الغيب الذي لا يكشف له الله تعالى فإنه أمر أن يؤكد ذلك بالقول : (( لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء )) ذلك أن شأن من يعلم الغيب هو الاستكثار لنفسه من الخير وتجنيبها السوء قبل وقوعه . ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعى العلم بالغيب ثم مسه السوء لأقام عليه المشركون حجة ولكذبوه ولكنه قطع عليهم الطريق إلى ذلك بنفيه علمه بالغيب مما يسألونه عنه أو يريدونه منه.
وهذه الحال التي أكدها الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على ما يؤكد عظمة خلقه الذي أثنى به الله تعالى عليه، ذلك أنه لا يدعي ما ليس له وهي صفة قلما يتحلى بها الناس لأن العادة أن النفس البشرية تدعي ما ليس لها، لهذا حاول المشركون استدراج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مثل ذلك، وقد كانوا أصلا يكذبونه فيما أخبرهم به من وحي أمر بالكشف عنه . وقول الله تعالى بعد أمر رسوله عليه الصلاة والسلام الرد على المشركين بنفي علمه بالغيب : (( إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون )) فيه صفتان من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما صفتا الإنذار أو النذارة والبشارة ، وقد تكررتا في عدة موطن من الذكر الحكيم ، وفضلا عن ذلك في قوله تعالى هذا أيضا إشارة إلى الوحي الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكشف عنه وهو الإخبار بمهمته .ومعلوم أن الإنذار والبشارة مرتبطان بما غيب الله تعالى من أمر الآخرة إذ يتعلق الإنذار بالأخبار عن عذاب جهنم ، كما تتعلق البشارة بالإخبار عن نعيم الجنة ، ومن وراء هذين الإخبارين تحذير مما يفضي إلى الجحيم ، وحث على ما يفضي إلى النعيم . ولا يستوعب هذين الإخبارين وهما من الوحي الذي أوحاه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بالكشف عنه إلا المؤمنون بهذا الوحي أما المكذبون به فقد أرادوا تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكشف عن المغيب من أمور الحياة الدنيا التي لا فائدة في الكشف عنها لمن ينكرون ما هو أعظم منها من أمور الآخرة . ولقد سأل أحد الصحابة عما عظم وغيبه الله تعالى من أمر الآخرة وهو موعد يوم القيامة ليس على طريقة المشركين ولا بقصد كقصدهم بل إشفاقا منها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : » ماذا أعددت لها ؟ فأجاب : ما أعددت لها كبيرعمل إلا أني أحب الله ورسوله ، فقال له : أنت مع من أحببت « ، فكان في رد السائل عن الساعة ما دل على أنه يستقل استعداده لها ، ولكنه يعول على محبته الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وكان في رد رسول الله عليه الصلاة والسلام عليه بشارة له .
مناسبة حديث هذه الجمعة هو تذكير المؤمنين بحال من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفيه العلم بما غيبه الله تعالى عن الخلق وأستأثر بعلمه ، ووراء ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو عزوجل. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا بمشيئة الله تعالى، فأولى بغيره من الخلق مهما كان ألا يدعي شيئا من ذلك . وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستكثر من الخير لو أنه علم الغيب ، ولا يمسه السوء، فماذا عسى أن يفعله غيره من الخلق لو أنهم علموا الغيب ؟ وما غيّب الله تعالى العلم بالغيب عن الخلق وهم في دار ابتلاء إلا لحكمة يعلمها.
ومن تذكير المؤمنين أيضا أنهم مأمورون شرعا بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ،الشيء الذي يوجب عليهم النأي بأنفسهم عن ادعاء ما لم يدعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم بما غيبه الله تعالى ، وهو تذكير أوجبه ما يروج في زماننا هذا من ادعاءات باطلة لبعض الدجالين من سحرة و كهان وعارفين وقراء الرمل والفناجين والأكف بمعرفة الغيب والكشف عنه قبل وقوعه . وإذا ما كان هذا أمرا مألوفا في مجتمعات الكفر والشرك ، فإنه لا ينبغي إطلاقا أن يوجد في المجتمعات التي تدين بدين الإسلام إلا أنه مع الأسف الشديد لا تخلو منه أيضا وهو ما يعد انحرافا عن صراط الله المستقيم وشركا بالله تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
ويجدر بالمؤمنين ألا يحاكوا غير المؤمنين بما يشيع فيهم من هذا النوع من الشرك الذي فيه تجاسر على الله تعالى وفيه تكذيب للوحي ولرسوله صلى الله عليه وسلم . ومما يجب تحذير المؤمنين منه أيضا أن يلتمسوا معرفة المغيب لجلب الخير ودفع السوء عند بعض من يعتقدون فيهم الصلاح ، ويظنون أن حجب الغيب تكشف لهم وهي التي لم تكشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما بين ذلك الله تعالى في محكم التنزيل .
اللهم إنا نعوذ بك من كل من يجرؤ على ادعاء ما استأثرت بعلمه وحدك وأخفيته عن خلقك . اللهم أن نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما يقرب منها من قول وعمل .
اللهم أعز دينك ، وانصر من نصره ، واخذل اللهم من خذله . وتدارك اللهم بفرجك ولطفك ونصرك المظلومين من عبادك المؤمنين المرابطين بأرض الإسراء والمعراج وفي كل مكان .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



Aucun commentaire