Home»Islam»حديث الجمعة : (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ))

حديث الجمعة : (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ))

محمد شركي

يتوالى الحديث  إن شاء الله تعالى عن سجايا وصفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلاقا من آي الذكر الحكيم تفصيلا لما أثنى به عليه الله عز وجل من عظيم الخلق الذي لا يدرك شأوه ، وغاية من يرومه العباد منه هو أن يصيبوا  قدرا مما قد يحصلونه إن هم حرصوا بجد على التأسي والاقتداء به والسير على هديه .

وحديث هذه الجمعة يتعلق بالآيتين الكريمتين التاسعة والتسعين بعد المائة ، والمائتين من سورة الأعراف اللتين يقول فيهما الله عز وجل مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن خلاله يخاطب عموم المؤمنين :

(( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعد بالله إنه سميع عليم ))، ففيهما أمر بالعفو وهو الصفح ، وبالعرف وهو  المعروف أو الخير، وبالإعراض عن الجاهلين ، وبالاستعاذة بالله من نزغ الشيطان الرجيم. وبيان  ذلك ما جاء في كتب التفسير أن الله تعالى قد عرّض في الذكر الحكيم بالكفار والمشركين والمنافقين، وقرعهم أيما تقريع ، ومن شأن ذلك أن يجعل رسوله والمؤمنين يمقتونهم ، ويكون لذلك تأثير في التعامل معهم قد يحول دون تبليغ ما أراد الله تعالى أن يُبَلّغ لهم من هدي ، ولهذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بالعفو معهم ، ويعاملهم به ، ويصفح عنهم ، ولا  يقابل الإساءة منهم بمثلها ، ولا صنيعهم معه بمثله ، وقد كانوا يجهلون عليه ، ويؤذونه ويكذّبونه ، ويحرّضون على إذايته … إلى غير ذلك من صور الجهالة والسفه . ولقد قدم الله تعالى الأمر بالعفو على الأمر بالعرف لأن ذلك أدعى إلى أن يصيخ من يدعى إليه إذا ما لمس  في الداعي العفو والصفح عنه . ومعلوم أن الأصل في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي دعوة الإسلام التركيز على العرف أو المعروف الذي هو الخير الذي تعرفه النفس ، ونقيضه  المنكر أوالشر الذي تنكر . والداعي إلى المعروف لا بد أن يكون أولا  سمحا كي تقبل منه دعوته فيكون الإقبال عليها .

ومما يتحقق به العفو وهو خلق كريم عدم الرد على الإساءة بالمثل والترفع عن ذلك، لهذا أعقب الأمر به الأمر بالإعراض عن إساءة الجاهلين أقوالهم أو أفعالهم، علما بأن الجهل هو نقيض الحِلم والرشد والاتزان  في القول والفعل ، وهو السفه، ويوصف الكفر والشرك والنفاق وكل أنواع السفه  بالجهل .

ومعلوم أنه ما اجتمع العفو، والأمر بالعرف ، والإعراض عن الجهل والسفه إلا وتحققت الغاية من دعوة الإسلام التي فيها خلاص البشرية في الدنيا والآخرة.

ومباشرة بعد هذه الأوامر الإلهية الموجهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومن خلاله  موجهة إلى عموم المسلمين، جاء الأمر بالاستعاذة بالله عز وجل من الشيطان الرجيم الذي سُلّط على بني آدم بالنزغ ، وذلك بما يوسوس لهم  به لإفسادهم انتقاما منهم وقد أقسم أن يكون هذا دأبه إلى قيام الساعة لما طرد من رحمة الله تعالى بسبب أبيهم آدم عليه السلام حين استكبر عن السجود له تعظيما لقدرة الله تعالى . ولا شك أن أنسب الظروف لنزغ الشيطان الرجيم هو أن ينقطع العفو بين بني آدم ، وأن يعطل العرف  بينهم، لهذا حرص الله تعالى على تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت المؤمنين على التزام العفو والعرف، وهما سجيتان عظيمتان ،وذلك من خلال التحذير من نزغ الشيطان الرجيم ، مع التعهد منه سبحانه وتعالى بالحيلولة دون وقوعه حين الاستعاذة به  واللجوء إليه.

وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمِر بالاستعاذة بالله إذا ما نزغه نزع شيطاني وهو المعصوم ، فالأولى بغيره من المؤمنين أن يلزموا الاستعاذة بالله منه ،لأن الشيطان المخلوق الشرير لا يغادر آدمي طرفة عين ، وهو يزغ نزغه في كل أحواله ، ولا تفوته من ذلك  فرصة سانحة ، وقد تعهد الله تعالى السميع العليم بأن يكفي من يستعيذ به شر الشيطان الرجيم، وهو ما جاء بعد هذا التعهد في الآية الكريمة  الموالية للآيتين الكريمتين السابقتين حيث قال الله تعالى  : (( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )) ، ومعلوم أن طائف الشيطان  عبارة عن طواف معنوي حول بني آدم  من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم  ، وذلك من خلال الخواطر التي تخطر لهم بسبب نزغه أو غرزه هنا وهناك فيما يفكرون فيه أو يتحدثون به  أو يجترحون من أفعال . ومعلوم أن التذكر الذي يعقب نزغ الشيطان الرجيم أو طائفه إنما يتحقق بالاستعاذة أو التعوذ بالله تعالى منه ، فينجلي حينئذ عنهم ما يحول بينهم وبين الإبصار الذي هو اهتداء واستقامة وتقوى ، ولقد جعل الله تعالى التذكر والإبصار بعد طائف الشيطان الرجيم صفة المتقين من عباده المؤمنين ، وأول خطوة في سبيل تقوى الله عز وجل  هوالاستعاذة بالله تعالى عند مساس طائف الشيطان ، وفي الاستعاذة به سبحانه استحضار دائم له ، ودوام هذا الاستحضار هو الحصن الحصين من نزغ الشيطان الرجيم ومن الغواية والخروج عن الصراط المستقيم  .

مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا استعراض خلق العفو والصفح عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهما من فروع خلقه العظيم الذي أشاد به الله تعالى ثم خلق الحِلم بالإعراض عن جهل الجاهلين وسفه السفهاء ، وثانيا التذكير بما يلزم المؤمنين من الاقتداء بهذه الأخلاق عملا بأمر الله تعالى الوارد في الآية الكريمة الواحدة والعشرين من سورة الأحزاب التي يقول عز وجل فيها : (( لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )) ، ولا  يمكن أن يتحقق ذكر الله عز وجل الذكر الكثير ،وهو الاستحضار الدائم المتواصل لمعيته إلا من خلال التسلح بالاستعاذة به من نزغ  وطائف الشيطان الرجيم الذي لا يغادر بني آدم طرفة عين ، لهذا  يلزمهم  مقابل ذلك الاستحضار الدائم  للمعية الإلهية دون انقطاع  في كل الأحوال  التي يكونون عليها.

وما أحوج الأمة الإسلامية  في الزمان إلى التخلق بخلق العفو ،والأمر بالعرف والإعراض عن الجهل والسفه ،وقد صارت مخترقة من طرف من يشيعون فيها الفرقة والنزاع لأتفه الأسباب ، وقد استفحل فيها نزغ الشيطان ، واستطال طائفه وقل منها التعوذ بالله تعالى منه  لفتورالتقوى ، وضعف الاستقامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وإذا كان الله تعالى قد أمر بالعفو والأمر بالعرف مع جهال الكافرين والمشركين والمنافقين والإعراض عن جهلهم وسفههم ، فالأولى والأجدر بالمؤمنين في هذا الزمان أن يلتزموا بذلك  أولا فيما بينهم ،علما بأنهم قد أمروا في الذكر الحكيم  بأكثر من ذلك وهو خفض جناح  الذل لبعضهم البعض تراحما وتآزرا وتعاونا وتناصرا فيما بينهم ، وهو ما لا أثر له في حياتهم .والأدهى من ذلك أن آفة  غياب العفو والأمر بالعرف والإعراض عن الجهل والسفه  قد اتسعت دائرتها  فيهم  فأصبحوا ضحية تحريش الأعداء فيما بينهم ، والمؤسف أن تطال هذه الآفة  حتى نواة المجتمع المسلم التي هي الأسرة الصغيرة ثم العائلة  التي تتفرع عنها.

فها هم المسلمون اليوم قد تشتت صفهم ، وذهبت ريحهم وهم يتفرجون على بعضهم البعض والأعداء ينهشونهم نهش الذئاب الكاسرة دون أن يحرك ذلك فيهم اكنا أو نخوة ،  بل صارمنهم سفهاء يدلون  تلك الذئاب الشرسة  الشرهة على مكامن الضعف والمقتل في  هذه الأمة الخيرة التي أخرجت للناس  ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

اللهم رب العرش العظيم وذو القوة المتين نسألك ضارعين خاشعين  أن تتولى بكيدك المتين أعداء أمة الإسلام فإنهم لا يعجزونك . اللهم عجل لعبادك المؤمنين المرابطين بأرض الإسراء والمعراج  الذين ظلموا وخذلوا بفرج قريب  من عندك ، ونصر مبين تعزهم به ، وتعز به دينك يا أرحم الراحمين ويا رب العالمين .

اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرحيم ومن نزغه ونفثه وطائفه ، اللهم اجعلنا من المتقين الذين إذا مسهم طائفه تذكروا وأبصروا . اللهم بصّرنا بعيوبنا ، وأصلح أحوالنا ، وارحم ضعفنا ، واستر عيوبنا ، وتجاوز عن أخطائنا وسيئاتنا ، والطف بنا لطفك الخفي يا لطيف .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *