حديث الجمعة : (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسّوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ))

حديث الجمعة : (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسّوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ))
محمد شركي
لازال الحديث موصولا بالأحاديث السابقة التي تناولت صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم الواردة في الذكرالحكيم والمنبثقة عن تنويه الله عز وجل به في قوله : (( وإنك لعلى خلق عظيم )) . ويتعلق الأمر في حديث هذه الجمعة بصفة « الشهيد » بمعنى « الشاهد » التي وصفه بها الله تعالى في الآيتين الكريمتين الثانية و الأربعين والثالثة والأربعين من سورة النساء في قوله عز من قائل : (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسّوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا )) .
ومعلوم أن كلمة » شهيد » هي اسم من أسماء الله الحسنى، وصفة من صفاته المثلى، وقد وردت عدة مرات في القرآن الكريم وذلك في سياقات مختلفة ، وهي تدل على شهادته أي حضوره، وإحاطته ، وعلمه وخبرته واطلاعه . ولقد ورد في كتيب » المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى » للإمام أبي حامد الغزالي بخصوص هذا الاسم أنه جامع بين العلم والخبرة ذلك أن الله تعالى عليم باعتبار علمه المطلق ، وأنه خبير باعتبار علمه بعالم الغيب ، وأنه شهيد باعتبار علمه بعالم الشهادة .
ولقد وردت صفة شهيد وشهداء في الذكر الحكيم للدلالة على صفة شاهد وشهود أي الذين يشهدون ، كما وردت أيضا للدلالة على الذين يقتلون في سبيل الله ،وقيل إنهم يشهدون على قتلتهم يوم القيامة .
والله تعالى يصف في الذكر الحكيم المرسلين صلواته وسلامه عليهم أجمعين بالشهداء لأنهم يشهدون على أقوامهم يوم القيامة بما كانت مواقفهم مما بلغون لهم عن الله عز وجل . ولقد وجعل خاتمهم سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام شاهدا على العالمين من بعثته إلى قيام الساعة . ومعلوم أن شهادة المرسلين هي شهادة دنيوية وأخروية ،أما الدنيوية فتتعلق بتبليغهم رسالات الله عز وجل وبما تلقاها عنهم أقوامهم ، وأما الأخروية فتتعلق بمساءلة هؤلاء فمحاسبتهم ثم جزائهم عما عملوا .
والآية موضوع هذا الحديث تتعلق بالشهادة الأخروية للمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين ،وبشهادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي وردت في سياق الحديث حين يعرض الكافرون وعصاة الرسول على المساءلة والمحاسبة بين يدي الله عز وجل يوم القيامة .
لوقد افتتحت باستفهام خرج عن مقتضى ظاهره ،ودلّ على التعجيب والتهويل والتهديد إذ يصف حال الكافرين العصاة يومئذ وهم يتمنون لو سويت بهم الأرض التي قبروا فيها بعد موتهم، ولم يخرجوا منها لمواجهة الموقف العصيب بين يدي الله تعالى الحاكم والقاضي ورسوله شهيد عليهم بتبليغهم رسالته لهم وجوابهم وموقفهم منها ، وأنى لهم يومئذ إنكار أو كتمان ما شهد به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟؟؟
ولقد جعل الله تعالى في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بالشهيد على الكفار والعصاة من أمته تشريفا وتعظيما له ، وبيان ذلك ما ورد في صحيح الأمام البخاري رحمه الله عن عبد الله بن مسعود رضب الله عنه أنه قال : » قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : اقرأ عليّ القرآن ، قلت : أقرأه عليك وعليك أنزل ، قال : إني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك شهيدا على هؤلاء شهيدا )) ، قال : أمْسِكْ ، فإذا عيناه تذرفان » . ولقد ورد في كتب التفسير أن دموع النبي صلى الله عليه وسلم حين تلا عليه ابن مسعود هذه الآية كانت منه إشفاقا من الموقف العصيب ، وفي نفس الوقت كانت فرحا وابتهاجا بالتعظيم والتشريف الذي خصه بهما الله تعالى .
وحري بكل مؤمن يتلو هذه الآية الكريمة أو تتلى عليه أن تذرف عيناه كما ذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا من ذلك الموقف العظيم موقف المساءلة والمحاسبة بين يدي الله عز وجل والرسول يومئذ شهيد ، وطمعا في أن تكون شهادته عليه الصلاة والسلام لصالحه إذا حسن عمله ورضيه الله تعالى منه .
ومما يجب فعله أيضا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب سماع القرآن الكريم من الغيرلأن ذلك أ حرى وأجدر بالتدبر والخشوع ومزيد إيمان مصداقا لقوله تعالى في الآية الكريمة الثانية من سورة الأنفال : (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُلِيت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون)).
وإذا كان مجرد ذكر الله تعالى يسبب وجل القلوب ،فكيف يكون الحال إذا ما سمعت آياته تتلى وفيها مثل ما جاء في هذه الآية الكريمة موضوع هذا الحديث والتي ذرفت لها عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وما أكثر الآيات التي يجب أن تذرف لها العيون ،ومنها على سبيل الذكر لا الحصر قوله تعالى في الآية الكريمة الثالثة والأربعين من سورة البقرة : (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )) ،أفلا يجدر بالمؤمن الذي يتلو الآية الكريمة أو تُتلى عليه أن تذرف عيناه لأمرين أولهما الفرح بهذا التشريف ، وثانيهما الخوف والوجل من مهمة الشهادة التي لا تقبل إلا ممن استقام لله تعالى وكان بذلك حجة على من لم يستقم ؟
مناسبة حديث هذه الجمعة هو تذكير المؤمنين بشهادة الرسول عليهم يوم الحشر والوقوف بين يدي الله تعالى، وهي تشريف وتعظيم له ، وفي نفس الوقت هي تنبيه لهم كي يستعدوا لذلك بالاستقامة على هديه ونهجه في الطاعة ، وكذا الاستعداد بدورهم للشهادة على الناس ولا يتأتى ذلك إلا للمستقيمين على صراط الله المستقيم، وهو صراط المنعم عليهم فضلا من الله ونعمة .
وعلى كل مؤمن أن يحاسب نفسه بمنتهى الصرامة استعدادا لموقف الشهادة يوم الحساب حيث يشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويَشهد هو على غيره إذا ما كان أهلا لتلك الشهادة التي بوأه إياها إيمانه وصالح عمله .
اللهم إنا نسألك يوم العرض عليك شهادة رسولك العظيم شهادة تكون لنا لا علينا تنجينا من سخطك وعذابك ، ومن سوء المنقلب والمصير . اللهم تجاوزعنا يا غفور يا رحيم ما قصرنا به في حقك، وفي حق رسولك الرؤوف الرحيم وفي حق عبادك وأولياء المؤمنين .
اللهم إنا عبادك في أرض الإسراء والمعراج، وفي بيت المقدس وأكنافه قد اشتد بهم البلاء ،وأنت أعلم بهم وقد تخلى عنهم الخلق، وسدت في وجوههم الأبواب ولم يبق لهم إلا بابك الذي لا يسد، فعجل اللهم لهم بفرج قريب من عندك وانصرهم على عدو ظلمهم وتمادى في ظلمهم، وعليك اللهم بمن خذلهم وشمت بهم، وظاهر عليهم عدوهم فإنهم لا يخفون عليك، ولا يعجزونك، وأنت فوقهم قاهر وعليه قادر.
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .





Aucun commentaire