Home»Islam»أحاديث رمضان : ( الحلقة الثانية ) (( يا أيها الانسان ما غرّك بربك الكريم ))

أحاديث رمضان : ( الحلقة الثانية ) (( يا أيها الانسان ما غرّك بربك الكريم ))

0
Shares
PinterestGoogle+

أحاديث رمضان : ( الحلقة الثانية ) (( يا أيها الانسان ما غرّك بربك الكريم ))

محمد شركي

من المعلوم أن المسلم في إقباله على مأدبة الله عز وجل في شهر الصيام إن كان متدبرا، فسيجد فيها ما يدفع حيرته المتعلقة بحقيقته الوجودية ، وهو ما يغنيه عن كل التأويلات الفلسفية الوضعية الخاصة بقصة وجوده على سطح الكوكب الأزق التي قد تجعله يعيش في حيرة من أمره إذا لم يوفقه خالقه إلى حقيقة وجوده .

وفي مأدبة الله عز وجل يجد بداية ونهاية حقيقته الوجودية  حيث كان خلقه الأول من طين منفوخ فيه من روح خالقه جل جلاله، ثم انتقل من مرحلة الخلق الطينية  بقدرته سبحان وتعالى إلى مرحلة الخلق من الماء المهين وقد فصل في أمرها جل شأنه تفصيلا فقال : (( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين )) .

ولقد اقتضت إرادة الله تعالى أن تكون تلك النشأة جميلة حسنة لأنها من صنع أحسن الخالقين حيث جمعت بين الخلق وهو إبداع على غير مثال ووفق مقدار مقصود ، وبين تسوية  وهي خلو الخلق من  أي الاختلال ، وبين تعديل وهو تناسب في الخلق  مصداقا لقوله تعالى في سياق الامتنان على الإنسان المغرور أو المغرر به  : (( يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدّلك في أي صورة ما شاء ركبك )) .

ولقد كانت الغاية من هذه النشأة الجميلة الحسنة للإنسان أن يكون مكرمّا عند خالقه سبحانه وتعالى مصداقا لقوله تعالى : (( ولقد كرمنا بني آدم كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )) ، وأول التكريم هو تلك النشأة الجميلة الحسنة للإنسان خلقا ،وتسوية، وتعديلا  والتي جعلته يفضل كثيرا ممن خلق الله تعالى من المخلوقات، وهيأته ليحمل في  البحر والبحر حيث يرزق من الطيبات .

وبعد هذا يجد المتدبر في مأدبة الله تعالى سر الغاية من خلقه وتكريمه، وهي أن يعبد من خلقه ،وسواه ،وعدله ،وكرمه، وفضله ،ورزقه من الطيبات مستوفيا بذلك سابغ نعمه عليه ، وهي أن يشكر تلك النعم بإقرارالعبودية للمنعم  جل شأنه مصداقا لقوله عز من قائل : (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين )) .

ويواجه الله تعالى الإنسان المخلوق ،المكرم ،والمفضل، والمنعم عليه بالنعم السابغة ، والمتمرد على عبوديته وعبادته بقوله جل وعلا : (( يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم )) ثم يذكر له نعمة الخلق، والتسوية، والتعديل، وما يترتب عنها من نعم لا تعد ولا تحصى مصداقا لقوله تعالى : (( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )) .

وفي مأدبة الله تعالى يجد الإنسان حين يكفر نعمه خالقه سبحانه، وحين يغره بربه ما يغره وقد كرّمه وفضله صفات سلبية له وهي كالآتي :

ـ الضعف مصداقا لقوله تعالى : (( وخلق الإنسان ضعيفا )).

ـ الظلم  والجهل مصداقا لقوله تعالى : (( إنه كان ظلوما جهولا )) .

ـ العجلة مصداقا لقوله تعالى : (( وكان الإنسان عجولا )) .

ـ اليأس والقنوط مصداقا لقوله تعالى : (( وإن مسه الشر فيؤوس قنوط )).

ـ الهلع والجزع والمنع أو البخل مصداقا لقوله تعالى : (( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا )) .

ـ التقتير مصداقا لقول تعالى : (( وكان الإنسان قتورا )) .

ـ المجادلة مصداقا لقوله تعالى : (( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا )) .

والملاحظ أن هذه الصفات السلبية جاء معظمها  باستثناء المجادلة التي عبارتها هي الأخرى المبالغة على وزن   » فعول  » الدال على المبالغة من اسم الفاعل ، والذي يفيد أيضا الصفة المشبهة الدلالة على لزوم الوصف ، وأقبح بها من صفات منفردة ومجتمعة في الإنسان الذي خلقه، وسواه، وعدله ربه ،وكرمه، وفضله  على كثير ممن خلق ، ورزقه من الطيبات ، لكنه غرّه ما غرّه  بمولاه عز وجل، فتنكب شكر نعمه السابغة ، وكفرها ،وجحدها بل استعان بها على معصيته، وحق أن يقول عنه ربه سبحانه وتعالى : (( قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسّره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لمّا يقض ما أمره فلينظر الإنسان إلى طعانه إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فانبتنا فيها حبّا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا ولأنعامكم )) ، كل هذه النعم السابغة يكفرها ويجحدها الإنسان وهو ينعم بها بل يتقلب فيها كيف يشاء ، ويبذرها تبذيرا، ولا يشكرها، فما أكفره ، وما أحجده ، وما أظلمه، وما أجهله مع أنه مخلوق ضعيف جزوع، هلوع ،يؤوس قنوط …

فهل سنقبل في شهر القرآن على مأدبة الرحمان متدبرين ما فيها كي نتخلص من الذي غرّنا بربنا الكريم أم أننا سنمضي في غفلتنا فتمر بنا الأيام المعدودة دون أن نتزوّد بما أراد لنا خالقنا من زاد ، وخير الزاد التقوى مصداقا لقوله تعالى : (( وتزودّوا فإن خير الزاد التقوى)) ، ويا خسارة من أقبلت عليه مأدبة الله عز وجل  في هذه الأيام المعدودات ولم يتزود .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *