Home»National»بيغاسوس.. التنصت على القائد

بيغاسوس.. التنصت على القائد

0
Shares
PinterestGoogle+
 

رمضان مصباح

تقديم:
جرت هذه الأحداث الوجدية؛ بشقيها ،الوطني المكافح، والاستعماري الاستعلامي ،المتسلط الغازي ،منذ أزيد من قرن ؛وانتهت باعتقال وتغيب قائد قبلي، أدرك مبكرا أن الوطن لا يمكن أن يحميه وينميه غير أبنائه؛ ولهذا شرع في استنهاض الهمم لمواجهة هذا المستعمر الذي فاض على الحدود الشرقية، من قلب استهتاره وعربدته بالتراب الجزائري.
يوجد قبر هذا القائد اليوم بمدينة « نيم » الفرنسية ، حيث قضى شهيد بسجونها.
قبل هذا المآل البطولي للقائد بلعيد، كانت هناك أنشطة استعلاماتية ،ترصدت كل حركاته وسكناته؛ وكل محادثاته ،رغم بدائية وسائل الاستخبار و التنصت وقتها.
يصرون اليوم على اتهامنا بما مارسوه ويمارسوه الى اليوم، خدمة لمصالح دولهم ؛رغم كونهم يعلمون أن الدول التي لا آذان لها لا ولاية لها ولا أمن ولا مستقبل..
ومهما فعلنا – على غرار كل الدول – ان كنا قد فعلنا ؛ سنظل ،مقارنة معهم ، مجرد تلاميذ .
وهل يوجد بدائي متخلف أكثر ممن يرهن مصالح دولته السرية بأريحية قوة أجنبية – ولو صديقة – يُحكِّمها في رقبته فضحا وكشفا، متى تشاء؟
لا يا سادة ، المغرب أرقى من أن يقع في هذه الزلة؛ وما اللجوء حتى الى قضائكم الا خير دليل على براءته من دم « بيغاسوس ».

واليكم ترجمة لتقرير مخابرات المستعمر:

وجدة في 13 فبراير1917

المغرب الشرقي
دائرة وجدة
مصلحة الاستعلامات
N/407 BR
القبطان جولياJULIA
المكلف بتسيير شؤون دائرة وجدة
الى السيد مندوب الحكومة لدى المجلس الحربي بوجدة

يشرفني أن أوجه إليكم المعلومات المطلوبة ,في مراسلتكم رقم 217بتاريخ 7فبراير.
تطبيقا للتعليمات الجاري بها العمل يجتمع الرؤساء الأهالي indigènes,-بوجدة- مرة في الأسبوع وغالبا ما يتم هذا يوم السوق ..الخميس صباحا.

تم الترخيص لقائد الزكارة ,الساكن بمسفركي ,أي حوالي خمسة وثلاثين كلم ,جنوب غرب جدة ,بألا يحضر الا اجتماعا واحدا من اجتماعين ؛أي مرة واحدة كل خمسة عشر يوما؛ على أن ينيب عنه ,أثناء تغيبه, ابنه وخليفته.
عمليا يحضر القائد بلعيد ولد رمضان الى وجدة مرة واحدة في الشهر ،خلال الفصل الرديء(الشتاء)؛ومرتين خلال الصيف . مع ندرة حضوره يمكث في المدينة يومين ,وأحيانا ثلاثة ليتمكن من انجاز ما تقتضيه مهمته ,وكذا مصالحه الشخصية.
ونظرا لكون الانتقال من مسفركي الى وجدة يقتضي منه ,في الحد الأقصى, ست ساعات من السير ,راكبا الحصان ؛يمكن القول بأن بلعيد ولد رمضان كان يغيب عن قبيلته ثلاثة أو أربعة أيام في الشهر ,شتاء, و ستة الى ثمانية أيام صيفا.
الروكي المزيف pseudo –rogu سليمان بن سليمان ,تنقل في الزكارة , خاصة خلال ربيع وصيف 1916. تراوحت تغيبات بلعيد ,خلال هذه الفترة, ما بين ستة و ثمانية أيام شهريا.
في سنة 1904,عقب وفاة القائد رمضان , مورست الرئاسة ,لدى الزكارة, من طرف ابنيه بلعيد ومحمد؛ اذ تقاسما أجزاء القبيلة .في سنة 1913 ,ونظرا لعدم الرضى عن القائد محمد ,تم عزله ,فتولى بلعيد قيادة القبيلة كلها .
في نهاية يوليوز 1916 تأكدت بأن شخصا ذا طابع شريفي maraboutique؛يسعى للإيهام بأنه الروكي السابق ,يطوف ,منذ شهور عديدة ,متخذا قبيلة الزكارة مخبئا له.
استدعيت القائد بلعيد ,باستعجال, وأطلعته, دون مواربة, على ما تناهى الى علمي ؛مضيفا أنه ,وهو القائد, عليه أن يكون على معرفة بهذه التحركات ؛وإذا لم يبلغ بشأنها سيتحمل المسؤولية الأشد خطرا.
أكد بلعيد ,بكل ثقة, بأن هذا الضجيج محض كذب, وألا وجود لأي أجنبي يتحرك في القبيلة؛ ولوكان هذا صحيحا لعلمه بكل تأكيد ,ولما تأخر عن التبليغ به في حينه.
لم يحصل ,سوى قبل أيام من اعتقال سليمان , وبعد أن عرف بعلمي بما كان يجري ,أن اعترف بلعيد ,ببرودة, بأن أجنبيا ,جزائريا, بدون أية أهمية ,يتحرك منذ أيام في قبيلة الزكارة ؛وأنه سيبذل كل جهده لاعتقاله.
تم اعتقال المحرضagitateur يوم 12غشت من طرف فرسان السي الطيب ,ولم يكن للقائد بلعيد أي دخل في هذه العملية.
قبل أن اورد تقديري للطريقة التي كان بلعيد بن رمضان يؤدي بها مهمته يبدو لي ضروريا أن أقول بعض الكلمات عن قبيلة الزكارة ,وعن الوسط الذي كان مدعوا ليمارس فيه رئاسته.
يشكل الزكارة قبيلة بربرية من ثمانمائة خيمة(800)تقريبا؛ تقطن كتلة جبلية تبعد عن وجدة بحوالي عشرين كلم(20).إن عيشهم في شعاب تفصلهم عن العالم الخارجي جعلهم يظلون,
دائما, بمعزل عن القبائل الأخرى؛ و يحافظون ,كلية, على العادات القديمة لأجدادهم .
تفصيل مميز: أهالي القبيلة يتزوجون دائما فيما بينهم فقط.
في ظل هذه الظروف من السهل أن نفهم مدى عدم تجاوب الزكارة مع أي إخبار, أومجهود ,ومدى ضيق عقولهم المحدودة ,التبسيطية؛ ومدى امكانية التأثير عليهم من طرف أي اثارة تأتي من الخارج.
في وسطهم نخال أنفسنا ننظر الى مجتمع القرون الوسطى وهو ينبعث من جديد.
من برجه بوادي مسفركي يمارس القائد بلعيد سيادة مطلقة تقريبا : ديناميكي , سلطوي ,قاس .لقد كان مهابا أكثر منه محبوبا ؛ارادته لا تناقش.
رؤساء الدواوير – لدى القايد بلعيد- أعيان بأهمية قليلة ؛ولم تكن سلطته تخضع لتأثير الجماعة.
خلافا لما يجري به العمل في أغلب القبائل البربرية ,قلما يتم الاستماع الى رأي الجماعة لدى الزكارة ؛وتكاد سلطتها تنعدم. أما الفلاح الزكراوي فوضعه مزر ,شقاء وجزاء.
تستمر هذه الأوضاع منذ قرون عديدة ؛و لايمكن تغييرها بين عشية وضحاها؛ خصوصا حينما نطلع على الظروف المعيشية لهؤلاء الأهالي .
السمة الغالبة على مزاجهم هي – حسب ما يبدو- الغباء اللا محدود, وباعتبار عزلتهم الدائمة في جبالهم ,وزواجهم فيما بينهم فقط, فمن الصعب عليهم ,فعلا ,أن يتطوروا. نضيف الى هذا – رغم عدم تأثرهم الا قليلا بالغزو الإسلامي –أنهم ,رغم كل هذا,مسلمون شديدو التعصب .
بمعرفتنا العامة لأفراد هذه القبيلة ,لعاداتهم ونوعية حياتهم ,سنفهم ,بكيفية حسنة ,الدور المهم والرئيسي الذي يؤديه رئيس القبيلة ,القائد ,السيد الحقيقي الذي يعرف كل شيء ,ويهيمن بسلطته على الجميع وعلى كل شيء.
ان القائد رمضان ,والد بلعيد, كان استبداديا ,بكل ما تعنيه الكلمة. لقد حكم ,بالرعب, من 1860 الى 1904؛مستثمرا لصالحه الاضطرابات التي كانت تعم المنطقة, للقضاء على خصومه, و توسيع ممتلكاته, والعيش حسب ما يحلو له.
عقب موته تقاسم ولداه السلطة. محمد,الذي عزل سنة 1913,توفي في 1916؛وهكذا أصبح بلعيد ,اذن,القائد الوحيد لكل القبيلة .ورغم أنه أظهر ,بحكم قوة الأشياء ,بعض التطور ,مقارنة بوالده ,فقد ظل أيضا صارما وسلطويا. هذا هو الطابع الغالب على مزاجه ؛فوراء مظاهر المسالمة والإيناس تختفي قبضة من حديد ؛وسحقا لمن يواجهه.
لقد كان قليل الحركة ,وهذا راجع جزئيا الى ضعف بصره ,ولم يكن يركب الخيل إلا قليلا ,لكن كان له في كل مكان مبعوثون يخبرونه ,بدقة, عن كل شيء يحصل في القبيلة.
لقد كان لاسمه فقط هيبة معتبرة, ناتجة ,بصفة خاصة,عن الخوف والرعب .كان ينفذ, حرفيا, الأوامر التي توجه له ؛كما أن تحصيل الضرائب والذعائر يتم بسرعة .كانت لبلعيد ,من بعض الجوانب, مؤهلات قيادية, جعلته مميزا لدى رؤسائه.
ورغم هذا يمكن أن نؤاخذه ,أحيانا, على نقص صراحته ,وكونه متسترا؛ كما أنه غير ملتزم بالإخبار عما كان يجري في قبيلته .هذا عيب يجب ألا يفاجئنا لدى بعض الأهالي ,وخصوصا لدى الزكارة.
ومهما يكن فان بلعيد ولد رمضان كان قائدا جيدا نوعا ما ؛يتمتع , وان كان في بعض الجوانب, بثقة رؤسائه؛ ولم يكن في صالحه ,إذن, أن يفتح عليه باب الانتقاد…..
يجب ألا ننسى أن الروح الإسلامية الحاضرة ,لهذه المناطق المنزوية والغامضة , تظل غريبة عنا ,ومستعصية على الفهم .يجب ألا نبحث عن تفسير تجليات هذا المزاج ,بل يجب أن نتقيد برصد ها لا غير .
يمكن أن نقول أيضا بأن كل مستبد يخفي (بين ثناياه) طامحا :ربما كان بلعيد يتمنى , بفعل توجيه من ذكريات هيمنة والده , أن يرى , في مستقبل قريب أو بعيد, انبعاث عهد الاستقلال ,عهد الحرية ,الذي يجب أن يعقب طرد النصراني ,الممقوت دوما من طرف كل مسلم جيد.
هذا ما يبدو لنا السبب الذي دفع بلعيد لاقتراف أقبح الأخطاء ,بالانضمام الى سليمان بن سليمان ؛وفرض هذا المغامر على أفراد قبيلته؛ والاحتفاظ به رهن يمينه لاستغلاله في الوقت المناسب ,واستخدامه في بث التعصب (ضد النصارى) في قبيلته.

القبطان جوليا

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.