Home»National»ثقافة البؤس .. وتبخيس الذات: سوسيولوجيا الكم المهمل ..

ثقافة البؤس .. وتبخيس الذات: سوسيولوجيا الكم المهمل ..

4
Shares
PinterestGoogle+

تبدو الثقافة حمالة لعدد من المفاهيم تتراوح بين الخصوصية والشمولية، فهي حصيلة العادات والتقاليد والأفكار والرموز والطقوس والممارسات في الحياة اليومية داخل بنية مجتمعية لأي مجتمع، ومن ميزاتها التطور والتغير مع تطور وتغير المجتمع الذي تنشأ فيه، مع الحفاظ على ما راكمته عبر الحقب الزمنية. وقد ظلت الثقافة إلى عهد قريب حمالة لمعنى « العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق فيها » (1)، لتنتقل لمفهوم أوسع، فتشمل الشعبي والسياسي، وتسبر غور نمط حياة الشعوب من منظور سوسيولوجي وأنثروبولوجي وحتى نفسي، يبتغي استثمار ما للثقافة من أثر على الحضارة البشرية في سيرورتها، فنجد مفهوم الثقافة يتبدل وكل مرة تنضاف إليه معاني جديدة أفرزتها حتمية التطور وعدم الاستقرار، كما أن استعمال كلمة « ثقافة » أضحى جاريا على كل لسان، من خلال الاستعمال اليومي في الخطابات المعرفية والفكرية وحتى السياسية، بمعنى من المعاني، لتصبح الثقافة دالة على تكريس سلوك أو سلوكات تتكرر، وهو عبارة عن استخدام مفرط لمصطلح « ثقافة » شريطة ألا يؤثر على استعماله في مجال علم الاجتماع السياسي للتعبير عن الربط بين الظاهرة السياسية والظاهرة الثقافية (2).

يتغير مفهوم الثقافة كل مرة، وبشكل يلفت الانتباه من خلال المقاربة السوسيولوجية للمجتمع والتحول الذي تشهده بنية هذا المجتمع، حيث تعرف توافد عدد من الأفراد والجماعات من مناطق مختلفة، مدن وبوادي، بدافع اقتصادي أو اجتماعي، هي نوع من الهجرة الداخلية، فتستقر هذه الجماعات وسط بيئة غير بيئتها الأصلية وتشكل كما بشريا غير متجانس اجتماعيا، فتنشأ أحياء سكنية عشوائية لا تخضع لأي تصميم معماري أو تهيئة معمارية أو شروط أمنية تسمح بضبط هذه الجماعة البشرية التي تعيش وفق قوانينها الخاصة، وهي تحمل سلوكات البادية التي تخرب العمران، حسب التفسير الخلدوني، لا قوانين المجتمع ككل، بحيث تنتفي أبسط شروط العيش البشري من صحة وبنى تحتية، لدرجة تصبح نقطة سوداء داخل مجال المدينة، وهي المعروفة بالأحياء الهامشية أو الخلفية أو ما إلى ذلك من الصفات التي تحاول عبثا عزلها وتصنيفها في خانة خارج بنية المدينة أو الحاضرة ككل، لأن هذه المجموعة البشرية غير المتجانسة، سوف تمتد داخل المدينة كيد عاملة أو في المدارس أو الوظائف، بل سوف يتم استغلالها ككتلة أصوات انتخابية تؤثر في اختيار من سيدبر الشأن المحلي والشأن العام، وينتج عن ذلك مضاربون يتعهدون هذه الفئة الاجتماعية التي تتفاقم كما وكيفا مع توالي الأعوام، لتنشأ عنها ثقافة خاصة بها تجعل لنفسها حيزا في النسيج المجتمعي رغم ما يمكن أن تتصف به من شذوذ، وينتج عن ذلك عدد من الظواهر الاجتماعية من تفكك أسري وفشل دراسي وجريمة وتفشي التعاطي للمخدرات، إدامانا وتجارة، وتنامي العنف والعنف المنظم ونماء الكراهية للفئات التي تستغل المجتمع ككل، إضافة للفقر والبطالة والظواهر الاجتماعية المعروفة، والتي تتقاسمها كل المجتمعات. فينتج عن هذا تفكك المجتمع وتفشي العديد من المعتقدات التي تجد الطريق معبدا نحو نفوس الفئات الاجتماعية المشبعة بالخيبات والإحباط، من شعوذة وخرافة ويأس واستسلام وكراهية … لتختفي العديد من القيم التي ظلت تحافظ على توازن المجتمع وحمايته من كل علة، فيصبح الفرد والجماعة، على حد سواء، ميالين لإيعاز وضعهم المتردي للقدر والتفسير اللاعقلي لكل ظاهرة أو مأساة تحل بالمجتمع، فتتباين المصالح وتنشب الصراعات لدرجة النزوع نحو الاستئصال، ويتم استغلال الدين والوهم والغيبيات، وتنتعش ثقافة يمكن نعتها ب »ثقافة البؤس » وهي، في اعتقادنا، أبشع درجات التخلف والتأخر، حيث لا مجال للعقل والاجتهاد والعمل والمبادرة والارتقاء بالفكر، فينجم عن ذلك نوع من التفكك الثقافي، أو ما أسماه William Ogburn  « التخلف الثقافي أو الفجوة الثقافية » Rupture culturelle، حيث يتشبث أفراد المجتمع بالعادات والتقاليد، ويتسع المجال أمام الفئة المتسلطة لإقرار وتمرير أيديولوجيتها، فيكون هذا الوضع سببا في خلق نوع من اللاتوازن بين عناصر المجتمع، حيث يتم تكريس وضع طبقي سائد يبقي الفقير على حاله ويزيد من أسهم المغتني، وبين الفئتين تتربع طبقة اجتماعية تسعى لخلق توازن بين الطبقتين، وهو ما ترفضه، في نظرنا، كلتا الطبقتين، الغنية والفقيرة، لماذا؟ من يمثل الطبقة الوسطى؟ الفئة المتعلمة والمتنورة والمثقفة والتي لها حمولة فكرية وتنتمي لقطاعات عمل حكومية أو غير حكومية، ولها رؤية مستقبلية ونظرة شمولية وعلاقات مباشرة مع أفراد المجتمع بمختلف شرائحه، وبالتالي لها دور عضوي داخل المجتمع، وهي مكانة تخول لها الاضطلاع بدور القيادة واستشراف المستقبل، اعتبارا لاستقرارها الاقتصادي والمهني، فتعمل على إنشاء التنظيمات الجمعوية ذات الطبيعة الحزبية أو النقابية أو مختلف جمعيات المجتمع المدني، فتدخل في صراعات ضد النظام السياسي القائم، وتنشأ المطالب الحقوقية والمطالبة بالمساوات والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، وتخوض لأجل ذلك غمار اللعبة الانتخابية وما يتلو ذلك من معارك نضالية لانتزاع كل هذه الحقوق، وفي المقابل تستمر النخبة المتسلطة في انتهاج سياسة الضغط والترهيب والتيئيس، فتتضاعف المعاناة ويتسع الجرح، ويأتي رفض الطبقة المتسلطة لدور الطبقة الوسطى بسبب فضحها لكل هذه الممارسات وما تقوم به لصالح الفئات المحرومة، أما الطبقة المحرومة فتنجرف نحو تيار الخنوع والرضى بواقع الحال، ويتسم سلوكها بالانتهازية في كثير من الأحيان، وفي عدد من الأوقات تتدفق في اتجاه الشارع لتعبر عن غضبها ومطالبها رغم كون حراكها غير منظم أو مؤطر من طرف جهة ما، سياسية كانت أو نقابية أو حقوقية …(المغرب نموذجا) رغم بعض الاستثناءات من التظاهر والاحتجاجات التي دعت لها جهات معينة، الشيء الذي ينم عن تناقض عميق في سلوك الفئة المحرومة، فمن جهة هي مشبعة بما أسميناه « ثقافة البؤس » والرضى بواقع الحال و »قدريته »، ومن جهة ثانية سرعة الغضب وتنامي سلوك الاحتجاج.

لكن الأمر الذي تجلى في العقود الأخيرة داخل المجتمع لدرجة الظاهرة الاجتماعية، هو تنامي ما يمكن تسميته « الحقد الموجه »، أي حقد من طرف الفئة المحسوبة في خانة الفقر ضد الطبقة المتوسطة La classe moyenne، التي ظلت بالأمس القريب تدافع عن مصالح هذه الفئة الفقيرة، وهي موجهة من طرف الفئة المتسلطة وفق سياسة ممنهجة مقصودة لدحض طبقة اجتماعية بفضل أخرى، فيبدو الإشكال قائما في تحديد دور الطبقة المتوسطة وماهيتها، فإن كان المعيار هو الدخل الفردي فإن عددا من المهن تذر دخلا محترما على أصحابها، منها « الفراشة » والباعة المتجولون وأصحاب « التريبورتر » وغيرهم من المهن غير المصنفة، وهذه شريحة تحتسب في خانة الفقر، لأنها ليست من أصحاب الممتلكات والثروات ولا هي من الفئة ذات الأجر الشهري، وبالتالي تختلط على الدارس سبل التعامل معها، وفي بحث متواضع أجريناه على بعض من عناصر هذه الفئة من مدينة وجدة سنة 2015، منها عينة بلغ عددها 105 فردا، ذكرانا، بين صاحب « تريبورتر » وصاحب عربة « كارو »، تتفاوت أعمارهم بين 26 و46 سنة، فتوصلنا للنتائج التالية: ـ 80% متزوجون ولهم أطفال ـ 45% يعيلون والديهم ـ 100% زوجاتهم ربات بيوت أو يشتغلن ك »خبازات » أو « نظافة » … ـ دخلهم اليومي لا يقل عن 200 إلى 400 درهما في اليوم ـ جلهم يتوفر على سكن مع أبويه أو مستقل وسط الأحياء الهامشية التي تمت هيكلتها ـ غالبيتهم لا يتوفر على وثائق « التريبورتر » ولا يؤدي ضرائب ـ لم نتمكن من معرفة سيرة سلوكم، أي هل هم من أصحاب السوابق، وقد لاحظنا أن جلهم ميالين للعنف والفوضى، ومنهم من يحمل آثار ندوب أو وشم في أنحاء جسده وقد وجدنا صعوبة كبيرة جدا في التواصل معهم لولا نهج أسلوب التمويه والخطاب المشترك وتقاسم المعاناة وما إلى ذلك من العلاقات التي سهلت هذه العملية، فيتضح أن معيار الدخل اليومي أو الشهري لهذه الفئة يفوق دخل الطبقة الوسطى، إذا لا يمكن مقارنتها بالطبقة الوسطى المغرقة في القروض والتي يشكل دخلها الشهري أساس الرواج الاقتصادي في مدينة مجالها حدودي مثل مدينة وجدة؟؟ وأجورها خاضعة لكل أنواع الرقابة والاقتطاع الضريبي؟؟
من هنا تتجلى صورة المجتمع غير السوي، أو ما يعرف ب »العلة الاجتماعية »  أو « الباثولوجيا الاجتماعية » (Pathologie Sociale) ..، وهذا الوصف هو ما ذهب إليه علم الاجتماع الأمريكي، خاصة بجامعة شيكاغو 1892م، مع بداية التصنيع، وكانت الريادة فيه للطبقة الوسطى، هذه العلة الاجتماعية تكون لها نتائج غير مرغوبة وسلبية على الفرد والمجتمع، لكن هناك دوما جهة معينة تدفع بهذه الفئة التي تكون الأوسع داخل المجتمع، نحو ثقافة البؤس عن طريق تفشي خطاب اليأس والاستسلام والعزوف عن المشاركة في الحياة العام أو التطرف والعنف بشتى تجلياته، بحيث يتحول المجتمع نحو اتجاه التغيير الذي لا يعترف بالقيم.
+++++++
الهوامش
1    معجم المعاني، حيث الثقافة اصطلاحا لم تجاوز الدلالة على الدراية بالعلوم والفنون وما إلى ذلك، تتطلب من صاحبها البراعة فيها، ثم تليها تعريفات حسب تفرع الثقافة لثقافة شعبية ووطنية وعامة …
2    دين كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة، منير السعيداني، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط، 1، ص، 173

د. محمد حماس

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *