أتقرأ هذا يا رمضان،وأنت في هذه السن؟ -منصور حلحال،أستاذ أجيال قضى –

رمضان مصباح الإدريسي
كيف جمعنا « لينين »؟
أذكرني طفلا يافعا،في مستهل ستينيات القرن الماضي.أذكر تواجدي بخزانة الشريف الإدريسي بوجدة،الملحقة بمعهد التعليم الأصيل؛حيث كنت أتابع دراستي الأصيلة التي ألجأتني إليها الضرورة القاهرة،وقلة الناصح لأب شبه أمي قادم لتوه من البادية.بدا له أن إخراجي،وأخ لي ، من التعليم العصري المفرنس،جهاد آخر يواجه به فلول فرنسا.
لم يكن مساعد قيم الخزانة – الوطني عبد الله الزجلي – غير المرحوم الحاج عمرو (السي عمرو وقتها)؛ وقد كان يحرص على تشجيع تلاميذ القبيلة على التردد على الخزانة للمطالعة.
كم كانت خزانة رائعة ،ثرية المحتوى،بديعة التنظيم ؛بطاولة مطالعة من أكبر ما عرفت في حياتي. ومن أهم ما يلفت انتباهك وأنت تلجها ،الصمت الرائع المخيم فيها؛رغم كثرة الداخل والخارج.
و من المفارقات أن تكون هذه الخزانة موروثة عن الإدارة الاستعمارية.
أقول هذا وأنا أستعيد الوضع البئيس الذي آلت إليه ،في ما بعد.ولا علم لي بمآلها اليوم.
أذكرني خارجا من بابها الواسع،وبيدي كتاب لينين: »الرأسمالية أساس الاستعمار » نعم في هذه السن المبكرة دفعني فضولي إلى استعارة هذا الكتاب ،دون علم لا بالشيوعية ولا بالرأسمالية.
كان الدافع إلى هذا الاختيار كلمة الإهداء التي صدر بها لنين كتابه :أهداه لابنه الذي قضى في الحرب . خلت أن الأمر يتعلق بقصة موت الفتى.
وكم هي الكتب التي أتيت على قراءتها ،في سن مبكرة؛ولم يتح لي فهمها إلا بعد أن كبرت ونضجت.
من حسن الحظ ،أو من سوئه،لم يكن الداخل من نفس الباب لحظة خروجي ،متأبطا لينين،غير المرحوم منصور حلحال ؛وقد كان وقتها طالبا بالسنة الثالثة إعدادي ،ويكبرني بسنين عديدة.
استوقفني ،أو استوقفه العنوان الذي أحمل ؛وبعد تفحص واستغراب سألني:
أتقرأ هذا يا رمضان وأنت في هذه السن. لم أجبه بما يشفي غليله لأنني لم أكن أعلم ماذا يوجد بين يدي.كل ما يهمني هو أن ألتهمه ،ما بين المنزل بحي لازاري، وساقية « جنان لكيس « ،بطريق سيدي يحي..
انتهى « الباراج » المعرفي بأن طلب مني المرحوم إعادة ما بيدي للخزانة ،واستعارة كتاب آخر في مستواي.
امتثلت طبعا،لأننا تربينا على احترام رأي الكبير..
بعد هذا ، بأزيد من أربعين عاما سألتقي بمنصور حلحال مهنيا ،وفي ظروف بدت لي مُحرجة لي . طبعا لقاءات الصداقة والقرابة لا حصر لها ،ولم تكرس غير التقدير الكبير للمرحوم ؛لأنه كان معروفا برزانته الكبيرة ،وبمستواه المعرفي الجيد ،وإخلاصه في أداء رسالته التربوية.
كيف تم لقائي المهني به؟
يعرف معارفي أنني أمضيت بأكاديمة القنيطرة أزيد من عشر سنوات ممارسا التفتيش والتنسيق.هذا بعد سنين عديدة من الأستاذية بمدن أخرى بالغرب المغربي.
لما ضجرت من العمل الإداري التنسيقي بدا لي أن الحل هو عودتي إلى العمل بالمقاطعة لأمارس عشقي الكبير للعمل التعليمي الميداني.
ذات صباح من صباحات أكتوبر 2002 أو 2003؛وأنا بمنزلي بمستفركي ،وبين يدي جداول حصص الأساتذة ؛أفحصها وأوقعها؛أثار انتباهي وجود الأستاذ حلحال منصور؛ليس كما اعترض طريقي ،وأنا خارج من الخزانة ،ذات طفولة؛وإنما من خلال جداول حصصه ؛التي تغطي عمله التعليمي بثانوية عمر بن عبد العزيز..
كيف الأستاذ الكبير حلحال منصور ضمن مقاطعة التفتيش الموكولة لي؟
كم يمضي بنا الزمن مسرعا ،وكم يصنع من مفارقات؟
جمعنا لنين ذات طفولة ؛وهاهي التربية الإسلامية تجمعنا من جديد.تجمع بين الأستاذ والمفتش. لكن الأستاذ هنا هو حلحال منصور؛وهل يحتاج الرجل إلى مفتش؟ وهل يحتاج إلى مفتش ،سبق أن « حماه » من الشيوعية،وهو طفل؟
اتخذت القرار الذي لم أحد عنه أبدا ؛رغم التقائي بحلحال في الندوات التربوية،ورفعه الحرج عني بمطالبتي بزيارته في القسم.
طمأنته بألا ينتظر مني أبدا أن أزوره في القسم ،زيارة تفتيش؛خصوصا وتنقيطه السابق في غاية الامتياز.
نلتقي حول كأس شاي خارج المؤسسة ،نعم؛كمفتش وأستاذ أبدا.
آخر كلامي معه رحمه الله ،تم منذ أزيد من سنة ؛إذ اتصل بي هاتفيا ،ليطمئن على صحتي،بعد أن أجريت عملية جراحية.
وجمعنا علال الفاسي:
الذكرى الأخرى التي لن أنساها ،اعتبارا لسياقها الوطني ، حصلت أثناء زيارة قام بها المرحوم علال الفاسي إلى وجدة في مستهل ستينيات القرن الماضي.
تنادى الاستقلاليون ،وكنت من أطفال شبيبتهم- بتحريض من الوالد- إلى سينما النصر لملاقاة الزعيم ،في حشد استقلالي كبير.
تصدى الاستقلالي العتيد – يومها – حلحال منصور للدفاع عنا ،نحن صغار الحزب ،في وجه من أراد – من المنظمين – حرماننا من الجلوس على المقاعد.أتذكر أنه خاطب أحدهم معاتبا: كيف تحرمهم من الجلوس؟هؤلاء هم مستقبل الحزب. لم أكن وقتها لأفهم حتى معنى الحزب؛ومعنى أن أكون مستقبله.
مع هذه الذكرى يتراءى لي الآن الوجه الفضي لعلال الفاسي وهو يخطب في الناس بطريقته المتميزة.
تستعيد الذاكرة، من كل ما ذكره الزعيم وقتها، حديثا عن توزيع الشعير على فلاحي الأحواز؛وتصفيقات الحضور ،سعادة بالخبر.
رحمك الله يا حلحال منصور؛واعذرني إن لم أجد المقام مناسبا لأعرض على أعزائي القراء لوحاتك الفلكلورية الرائعة المشهورة،وصوتك الجهوري ،وأنت تقيم للحيدوس الزكراوي محافل ما أروعها ؛وما أروع أن تكون مرتبطة بشبابنا الوجدي الزكراوي.
Sidizekri.blogvie.com



1 Comment
رحم الله الاستاذ منصور حلحال لازلت اذكر- وانا المولع بقراءة الجرائد منذ الصغر – انه في احدى المناسبات العائلية دخل وفي يده جريدة العلم التي لم تكن تفارقه بسبب التزامه الحزبي ,وبمجرد ان وضعها فوق الطاولة دفعني فضولي الى الاطلاع على عناوينها الرئيسية وقد لاحظ ذلك , وبعد ان هم بالانصراف ناولني الجريدة من اجل التعمق في المواضيع الهامة التي لم تكن تخلو منها صفحاتها خاصة العلم الثقافي ومنذ ذلك التاريخ ازداد اهتمامي بالصحافة الورقية الى درجة الادمان ولازلت الى يومنا هذا رغم الانترنيت وتنوع المواقع الالكترونية .
واذكر كذلك نضاله السياسي ومشاركاته في المهرجانات الخطابية واستعراضات فاتح ماي بشوارع مدينة وجدة , فقد كان رحمه الله رجل مبادئ بعيد ا عن الانتهازية والوصولية التي اصبحت عملة رائجة في الوقت الراهن.