Home»National»أزيد من 2.400.000 محاضرة تلقى في مساجد المغرب سنويا

أزيد من 2.400.000 محاضرة تلقى في مساجد المغرب سنويا

0
Shares
PinterestGoogle+

أحمد الجبلي
لقد كثر الحديث عن المساجد والخطب هذه الأيام، فهناك من تهكم على دورها فاعتبرها كالمقاهي تسبب اليأس والإحباط وتنفر الأعلام والأعيان، وهناك من امتطى حدثا عابرا وشاذا وقع في أحد مساجد البلاد، وهذا المسجد لا يشكل سوى واحدا من خمسين ألف مسجد، مما جعل الحدث شاذا بامتياز، وبالتالي لا يمكن شرعا ولا منطقا بناء حكم أو موقف عليه، كما فعل السيد عصيد الذي ذهب مغاضبا وهو يردد: « حدث ما كنا نخشاه وحذرنا منه عندما قلنا إن إقحام الدين في مجال الصراع السياسي والاجتماعي لا يؤدي إلا إلى أوخم العواقب، فالدين مجال للاعتقاد الشخصي وليس آلية لتصريف الخلافات سواء بين السلطة والمجتمع أو بين تيارات المجتمع وأطرافه » لا أصدق أن أحدا له ذرة من عقل، خصوصا إذا كان مجازا في الفلسفة، أن يقتل البعوضة برشاش كلاشنكوف،  فعصيد اختزل الدين كله في هذا المسجد، وكأن المساجد كلها  دخلت الحراك ونظرت وقادت وهيجت أو نسفت وابتزت وهددت، هل يوجد عاقل واحد يمكن أن يحمل المسؤولية لخمسين ألف مسجد من خلال حدث وقع في مسجد معزول ونائي في إحدى مدن البلاد؟، إنه القياس الحماري الذي تسبب في غرق الحمار حينما قاس الصوف مع الملح فكان عاقبة فساد قياسه أن مات غرقا، فضلا عن أن هذا الحدث نفسه يمكن مناقشته لأن المسجد بريء مما يفعلون سواء من خلال طبيعة الخطبة التي أحيكت على مقاس ما، أو من خلال الاعتداء على حرمة المسجد وحرمة صلاة الجمعة والإمام على اعتبار أن هذا الإمام هو ابن الشعب وله أبناء وهو عبد مأمور ومغلوب على أمره، وهو نفس الأمر تقريبا الذي وقع بإحدى المدن المغربية حيث تم نشر فيديو بحر هذا الأسبوع على نطاق واسع يتعلق بمسجد تقام فيه الصلاة بإمامين، فالأمر رغم الإقرار بأنه ينم عن وجود خلل، لا يمكن أن نسمح للمعقبين أن يقولوا: « انظروا ماذا يقع في مساجدنا !!!  » مع أن هذا الخلل يقع في هذا المسجد بعينه ولا يتكرر في غيره، ولا يقع في 50 ألف مسجد، والذي تتحمل مسؤوليته الهيئات المحلية المسؤولة كالمجلس العلمي المحلي أو مندوبية الأوقاف والشؤون الإسلامية، أي علاجه محصور في مطاق ضيق لا يحتاج إلى التعميم الوطني أو التدويل،  لأن مثل هذا الخلل قد يقع مرة أو مرتين في العقد الواحد في أحد مساجد البلاد، في حين يقع مثله أحيانا يوميا في العديد من الإدارات والقطاعات، فقط عندما يقع في المسجد تقرع له الطبول، وعندما يقع حتى ولو تكرر في أي مكان آخر يعتبر حدثا عاديا، والعادي في الأمر أن الإنسان هو الإنسان حيثما كان، وكيفما كانت وظيفته أو مهنته أو حرفته، مع العلم أن المصلين أصحاب هذه الفتنة هم مغاربة موظفون من شتى القطاعات ويقعون في هكذا خلل عندما يجهلون تعاليم الدين، وهنا يبرز الدور المهم الذي يلعبه المسجد إذا ما ترك وشأنه ليقوم بمهامه على أحسن وجه.
فلست أدري لماذا يغلب على البعض منطق التعميم عندما يتعلق الأمر بالدين أو بمسجد أو خطيب أو واعظ، فهؤلاء الناس قبل كل شيء بشر والبشر عندما يخطئ وهو يخطئ في السوق والإدارة والجمعية والمحكمة والوزارة وبالتالي لا يمكن أن ننفي عنه الخطأ في المساجد، ويجب أن نرتقي قليلا بأفكارنا ومنطقنا فالموظف عندما يصور وهو يقبض رشوة فالعالم كله يتحدث عن الموظف والرشوة، فكذلك الإمام إذا أخطأ فالأمر مقتصر عليه وأن الإجراءات اللازمة يجب أن تتخذ في حقه من طرف الهيئات المسؤولة والوصية. وانتهى الكلام. أما أن نصطاد شجرة لنتهم بها الغابة فهذا عبث ومنطق فاسد.

إن استغلال هكذا فرص من أجل الطعن في المساجد لهو أمر خطير وجب التنبيه عليه، والحديث عنه، لأن المنطق يقتضي أثناء أي فتنة الحذر والحيطة لأن الكلمة الواحدة يمكن أن تتسبب في كوارث لا حد لها، ولهذا كان الحكماء عبر التاريخ في مثل هذه الظروف يكتفون بالنظر من بعيد ويتابعون الأحداث دون إصدار أي موقف أو حكم لأن الإنسان لا يعلم من وراء هذه الأحداث لكونها أشبه بالماء العكر الذي يخفي أشياء كثيرة لا نعلمها، وبالتالي من السذاجة العمل على النفخ في الكير، ولأن الحكمة تقتضي كذلك إطفاء النار والتحكم فيها ثم بعد ذلك يمكن أن نتبين ما جرى، ونتخذ الإجراءلات اللازمة في إطار الحفاظ على البلاد وتفويت الفرص على جميع الأعداء والمتربصين بها.
إن أهم درس استشعرته من مثل هذه التصريحات هو أن الحقل الديني قد وضع في عين نسر جارح، وهو يعمل دائما على اقتناص الفرص للانقضاض والهجوم، لأن العديد من الناس كما تبين يحرجهم وجود مآذن تصدح بالأذان، ويغيظهم إقبال الناس على ربهم، وهم في قرارة أنفسهم  يتمنون لو تحولت هذه البلاد إلى مقاهي وحانات وانعدمت فيها المساجد وبيوت الله ودور حفظ القرآن الكريم.
طبعا هؤلاء لا يقرؤون التاريخ وإلا كانوا علموا بأن هذه البلاد حماها الإسلام وحده لا غير، وما كان للمغرب أن يسود نصف إفريقيا بدون الإسلام، وما كان له أن يطيل عمر الحضارة الإسلامية في الأندلس بدون هذا الدين، ففي حقيقة الأمر إنهم عندما يكيدون للإسلام فهو يكيدون لهذا الوطن  ولشعب هذا الوطن ووحدته، ومن زوايا الهجوم يأتي المسجد لأنه جامع ومنارة علم وتأطير وتثبيت للفكر الحقيقي الرزين الذي بنى الرجال والطاقات والقدرات، ويبني من يقدم الولاء والبيعة للقيادة العليا حفاظا على هيبة هذه الدولة ووحدة شعبها، لأن البيعة وثيقة تنعقد باسم الشرع وليس باسم الإلحاد والعلمانية والحداثة.
إن الدور الذي تقوم به مساجد البلاد لهو أكبر مما يعتقدون، وأجل مما يجهلون، ويكفي مساجد البلاد فخرا أنها تلقي أزيد من 200 ألف محاضرة شهريا وهذا الرقم لا تستطيعه أي جامعة في كل أنحاء العالم، ما بالك لو أعددنا عدد الخطب العلمية المرشدة والموجهة والمعلمة للناس أهم أسس العلم وهو العلم بالله تعالى، أي تلقى في مساجد المغرب سنويا 2.400.000 ألف محاضرة وخطبة بدون احتساب باقي الدروس والمحاضرات والندوات التي تعقد في شتى الأماكن التابعة لهذه المساجد من معاهد ودور قرآن.
فهل يمكن بعد هذا أن نتحدث عن خطبة جيئت في سياق عابر وأريد بها شيئا ما الله أعلم به، ونترك الحديث عن أكثر من مليوني خطبة توجه وترشد وتعلم وتتحدث عن التسامح والسلم وتبني الحوار وتنشد الدفع بالتي هي أحسن وتحث على أهمية وحدة الأمة والصف حتى يكون المغرب آمنا مطمئنا، كما تحث على قدسية العمل والجد وعدم الغش والتضحية من أجل الوطن، كما تدعو إلى حسن الظن وعدم السب واللعان والقذف والطعن في أعراض الناس، وعدم إكراه الكفار على اعتناق الدين، وحسن المعشر وإرشاد الضال وإعانة الأرملة والفقير، وإماطة الأذى عن الطريق حتى تكون شوارع مدننا نقية صحية تعبر عن حسنا ونبوغنا الحضاري المتميز…
إننا لا نطلب غظ الطرف عن الأخطاء، أو التخلي عن مهمة التوجيه والتنبيه على ما يقع في مجتمعنا من سقطات وسهو أو عيوب، حتى ولو تعلق الأمر بالمساجد، وإنما فقط ما نطلبه هو قليل من الموضوعية والتعقل وعدم التعميم، والتعامل مع الإنسان كإنسان خطاء أينما كان، حتى نعالج الاعوجاج حيثما وقع بدون فتنة وتحويل الحبة إلى قبة والقبة إلى مزار، وحتى نسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية دون مغالاة أو مزايدة، أو اقتناص الفرص من أجل تصفية حسابات مع جهات معينة.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *