Home»National»حكايا استاذ متقاعد : سنتان استثنائيتان ـ تابع ـ

حكايا استاذ متقاعد : سنتان استثنائيتان ـ تابع ـ

0
Shares
PinterestGoogle+

تابع
كنت في الواقع أشاطر أولئك الشيوخ الذين يشكرون الله في سري، لأن العرض كان يتجاوز كل الحدود، وقضيت ساعات طوالا أستقبل مع الفضوليين ما يتوافد من سلع تجعل الاختيار في غاية الصعوبة.
لا أخفي اني اصبت بالجشع، اذ ما أن أقتني من هذه السلعة،حتى تجذبني أخرى اعتقادا مني أنها أكثر جودة !
عرف السوق رواجا منقطع النظير، وكان الكمأ سيد المعروضات التي كثر سماسرتها،الشيء الذي فتح على البدو بابا جديدا للرزق.
لقد كثرت الروايات يومئذ عن تمكن العديد من ذوي الارادة من اقتناء مساكن بفضل عا ئدات هذه المنحة الربانية،غير ان الأهم من كل ذلك،هو تمكن كل الطبقات الاجتماعية من شراء الكمأ بعدما فرض العرض السخي انخفاضا استثنائيا في ثمنه.
وكالعادة،فان ردود الأفعال اشتركت في اعلان التخمة بدل شكر صاحب النعمة الذي ربط دوامها بالشكر!
لعل الذين يعرفون الكمأ ،لا يختلفون في كونه وجبة تغني عن غيرها، خاصة وأن استعمالاتها متعددة،وان كنا ذات زمن نفضل تناوله ممزوجا بالزبدة الطرية بعد سلقه.
لقد اجتهد الناس،وصاروا يدخرون الكمأ بطرق مختلفة ليسمتعوا به خارج ابانه،وان كان الحكماء يرددون منذ القدم بأن استهلاك خيرات الأرض ،يحسن أن يكون عند نضجها،وليس قبله ولا بعده !
كان للسنوات الموالية للسنة الاستثنائية نصيبها من الكمأ ،وان بدرجة اعتيادية،وتحول الى مصدر للاغتناء بعدما عرف المضاربون بأنه مطلوب في بلاد الغرب واسرائيل خاصة،لذلك لجأوا الى اساليبهم المعهودة في احتكار السوق،الى أن أصبح اقتناء كغ من الكمأ حلما عند ذوي الدخل المحدود.
وأكثر من ذلك فقد أقام المضاربون مراكز لتجميع المنتوج عبر الربوع التي تجود بهذه النبتة فغلب الاتجار على المتعة التي كان يستشعرها الباحث عن الكمأ قديما.
لقد تصرف الناس مع الكمأ كما تصرفوا مع اللبن وغيره من المنتوجات التي كان اصحابها يخجلون من مجرد التفكير في بيعها،الى ان فرض الجشع التحلل من كل القيم التي انفردت بها البادية،حتى صار الناس يبيعون النبق والكليلة ووو.
لكن ما حال ،،الظهرة،، اليوم ؟
كان لتراجع التساقطات وقع قاس على عرين بني كيل واولاد سيدي علي؛ذلك أن توالي الجفاف قد جعل الحيوانات تجهز على النباتات التي ظلت تأنف التوقف عندها خلال السنوات الخصبة،وهكذا اختفى الغطاء النباتي بشكل مهول.
وبما أن المصائب لا تاتي منفردة،فان الجفاف الحاد قد اقترن برياح سافية عملت على نقل الرمال من معاقلها لتعمر المكان تدريجيا.
عندما اعبر من هناك في اتجاه مسقط الرأس، أشعر بالمرارة وأنا أرى بقايا الشيح تئن تحت طبقة سميكة من الغبار حتى تخلى هذا النبات الذائع الصيت عن كبريائه ليستسلم لعبث الرياح والسكان البسطاء لا يملكون الا التكيف مع فضاء لا نهاية له، لكنه خلا من اسباب الحياة واستسلم للسراب والمستقبل المجهول!
كانت،،الظهرة،،على مر السنين فضاء يشتهر بنمط خاص من الحياة لا تستقيم الا بوجود قطيع يتجدد ليزود الوطن بأجود اللحوم، ويغني أهله عن الشكوى لأن بقاء القطيع يضمن الاستمرار في الحياة الخالية من التعقيد ،والتي تجعل الانسان هناك بعيدا عن صخب المدينة ومشاكلها.
ان هؤلاء السكان الذين جبلوا على تربية المواشي قد وجدوا انفسهم اليوم امام اكراهات عديدة.وهكذا، لم يعد يصلهم شيء بدون مقابل كما في السابق، حيث صاروا ملزمين باقتناء كل شيء من المدينة بما في ذلك غاز البوطان بعدما خلت الأرض من وسائل الطهو التقليدية.
وليس هذا فحسب،وانما أصبح من الضروري اقتناء الغذاء للمواشي من أسواق المدينة،ناهيك عن حاجة كل مرب لشاحنة لجلب الماء مما حول العيش الى معاناة يومية،وبدل العزف على الناي،وابداع الاغاني الفطرية،فان السكان قد أصبح همهم الوحيد هو البحث عن البدائل الممكنة، لكنها غير متوفرة لحد الان.
كنا نتشوق لعبور أجزاء من،،الظهرة،،ذات زمان،فاذا بنا نسلك اليوم طرقا أخرى حتى لا تتأدى قلوبنا بالحالة التي ال اليها المكان !
لست أدري هل نسي المسؤولون هذه الربوع التي ظلوا الى زمن قريب يتهافتون على خرفانها بدعوى تميز لحومها؟
لن يتذكروها لأن الشيح الذي كان يصنع لذة اللحم قد اختفى!
تحياتي لأهل النجود العليا الصامدين رغم كل شيء.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *