Home»National»المقال بين « الساندويتش » والتحليل النسقي

المقال بين « الساندويتش » والتحليل النسقي

1
Shares
PinterestGoogle+
 

أحمد الجبلي
في عصر تدني معدل القراءة في الوطن العربي، ينسجم موقف بعض النخب المحسوبة على طبقة الانتلجنسيا مع الداعمين لمقالات الوجبة السريعة والكارهين لمقالات التحليل النسقي والعمق في طرح الأفكار ومعالجتها وتحليلها من أجل استخلاص نتائج تهم القارئ من أجل فهم الأحداث وما يجري حوله.
إن رغبة هذه الفئة وتماهيها مع الكلمات القليلة والخبر السريع الذي لا يأخذ من وقتهم الثمين سوى بعض الثواني، ليدل بما لا يترك مجالا للشك من أننا نسير إلى الخلف في الوقت الذي تتسع فيه رقعة القراءة والمطالعة في العام الغربي عموما والصهيوني تحديدا، على اعتبار أن هذا العدو الأخير هو عدو استراتيجي المعركة معه يحسمها الحقل المعرفي والعلمي.
إن الذي يستمع لهكذا تصريحات يظن يقينا أن هؤلاء لا وقت لهم نظرا لانهماكهم العميق في الخدمات والأعمال المختلفة لكونهم يشكلون طليعة هذا المجتمع في التغيير وفي كل فعل جاد هادف يسعون من خلاله إلى ترسيم معالم الرقي والرفع من منسوب الوعي الجمعي والمجتمعي من أجل حراك ثقافي ومعرفي يكون في مستوى الإجابة عن جميع الإشكالات المعاصرة المطروحة.
ومن المؤكد بما أنهم كذلك سيخال أن وقتهم ثمين لا يسمح لهم بالجلوس في المقاهي اليوم كله يرتشفون « براد عشاري » على إيقاعات البارصا والريال وفي أحسن الأحوال على مائدة  نقاشات قد تجدي نفعا وقد لا تجدي.
وقد يهدر أحدهم ساعات طويلة مجانا من أجل مشاهدة فيلم تدور أحداثه بما يشبه  » في انتظار غودو » على نسق عبثية سامويل بيكيت ويوجين وألبير كامو.
إن من فضائح هذا الجزء من نخبنا أنها تتصرف بعقلية تبريرية تزين لها عدم قدرتها على المواكبة والقراءة التحليلية النسقية التي تتقاطع مع فكر العناوين الذي يعمل على تحقيق الشلل الفكري والمعرفي وبالتالي تسويق مفاهيم فارغة من حيث المحتوى والمضمون.
إن من معايير النخب التي تستطيع أن تسهم  في حمل مشاعل التغيير وبناء الإنسان، من أجل تشييد حضارة وتنمية تمكنها من أن تمارس شهودها على العالمين، إفناء حياتهم بسهر الليالي وثني الركب وتقويس الظهر وإعلاء الهمة في طلب العلم والقراءة والمطالعة.
إن الأمجاد التي صنعها  رجالات هذه الأمة المجيدة حتى أصبحت موطن فخر الأحفاد، ما عرف عن أصحابها أن منهم من لم يُرى طيلة حياته إما قارئا أو كاتبا، وبعضهم لم يكن يجد وقتا للأكل فتشفق عليه زوجته فتسف له الطعام سفا، وبعضهم قد أنشد معتبرا الكتاب أفضل مؤنس وخير جليس وأروع صديق، فماذا بقي إذن من مبرر لنخبتنا في الكشف عن معرفة عدد صفحات المقال قبل الشروع في قراءته. فإن كان وجبة سريعة خفيفة لا تزيد عن 100 كلمة التهمه وإن زاد بقليل تركه وانصرف ليقتل وقته كله على موائد الأكل التافهة التي تغتال العقل وتشل من قدراته.
إن الحديث عن طول المقالات التي يكتبها بعض الكتاب، والتبرم منها لطولها، واختيار عدم قراءتها رغم ما توحي إليه عناوينها من أهمية، لهو دليل على انتكاستنا في هذا المضمار، وأيم الله إن الذي يكون هذا فكره أنى له أن يصاحب الكتاب الذي قد يشمل على آلاف الكلمات ومئات الصفحات، إن العداء الذي ألف قطع المسافات الطويلة هو وحده من يستطيع اجتياز المسافات القصيرة والمتوسطة بكل أريحية، وأما العداء الذي يعجز عن جري مسافة قصيرة فأنى له أن يجتاز مسافات شاقة و طويلة.
إذا كان الباحث والمفكر الأمريكي نيك مورغان قد خاطب كل أمريكي بقوله: « اقرأ ثلاث كتب في الشهر لتكون إنسانا » وإذا كان سقراط قد قال:  » قل لي كم كتابا تقرأ أقول لك من أنت » فكيف سنعتبر هؤلاء عشاق « الساندويش » والذين هم في الغالب مثقفون وفاعلون جمعويون أو ساسة منخرطون في أفعال تتطلب التحيين في المعلومات والانكباب على المعرفة والمطالعة بنهم؟ إن مما أجمع عليه علماؤنا قديما وحديثا أن الذي لا يقرأ في الأمة الإسلامية فهو آثم، لأن أول ما نزل من القرآن (اقرأ) وهو فعل أمر يفيد الوجوب، وما أجمل مقولة الإمام السيوطي وهو يقول:  » كلما رأيت فتى لا يطلب شيئا من العلم إلا اشتهيت أن ألطمه » فكم سنحتاج من أمثال الإمام السيوطي ليقوموا بلطم الآلاف أوالملايين من المتخاذلين والمتخلفين الذين يرفضون القراءة بحجة التطويل، فأنى لهم إذن أن يثنوا الركب ويقوسوا الظهور طلبا للعلم والمعرفة.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.