Home»Correspondants»السلفية في فكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله

السلفية في فكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله

1
Shares
PinterestGoogle+
 

أحمد الجبلي

إن الدكتور سعيد رمضان البوطي رحمه الله أشهر من نور على علم في العلم والتربية والفكر، وقد غادر هذه الدنيا تاركا وراءه إرثا فكريا عظيما،  إذ كان من كبار المهتمين بالعقائد والفلسفات المادية، وهو كفقيه يعد أشرس عالم في دفاعه عن  الفقه الإسلامي والعقيدة الأشعرية، ومن القلائل الذين واجهوا المدرسة السلفية المعاصرة بفكر ثاقب ونقد علمي رصين حيث خصص لها كتابا  كاملا  ضخما سماه » السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي ».

إن الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي،  في هدوئه وسمته، يشبهه العلماء بالشيخ محمد الغزالي رحمه الله، ولهذا ارتأينا أن نجمع بينهما في مقالين يحددان موقفهما وآراءهما في السلفية المعاصرة.

إن الطريقة التي عالج بها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله موضوع السلفية تختلف اختلافا كبيرا عن طريقة معالجتها من طرف الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وذلك أن الشيخ البوطي يتناولها من منظور كونها ترفا زائدا لا حاجة إليه، أي أن جماعة المسلمين الواحدة التي هي جماعة أهل السنة والجماعة تجعلنا في غنى عن تأسيس أو بالأحرى ابتداع إطار جديد له انعكاسات سلبية على وحدة الأمة والواقع الذي تعيش فيه.

إن الشيخ البوطي اختار الحديث عن الأصل الذي يكمن في أن هذه السلفية الجديدة ما كان ينبغي أن تكون أصلا، وقد تفادى الحديث عما يتفرع عنها من نقاش يخص الأفكار والآراء التي تتبناها وتدعو إليها. إن تركيزه على المنطلق والمبدأ، مبدأ التواجد والتأسيس، جعله يتوسع في التدليل على أنها جماعة مبتدعَة، مع ذكر العديد من الأدلة التي تثبت ضررها، وذلك في ضوء منهج السلف رضوان الله عليهم أجمعين.

إن هذا الموضوع بما أنه يثار من أجل نقاش السلفية، فقد بدأ كتابه بحديثه عن مصطلح  » السلف » مبرزا أنه مصطلح يصرف أذهاننا مباشرة إلى القرون الثلاثة الأولى، التي تتابعت خلالها أجيال الصحابة الكرام والتابعين الأبرار وتابعيهم. ونحن كمسلمين نربط عقولنا وسلوكنا برابطة الولاء للسلف، والاقتداء بهم، والانضباط بقواعد فهمهم للنصوص والتقيد بكل ما اتفق عليه جميعهم أو جلهم من المبادئ الاعتقادية والأحكام السلوكية.

كما أن اتباع هذا السلف لا علاقة له بالترتيب الزمني أي كوننا خلفا وكونهم سلفا، بل فقط لكونهم أحرى الناس  بفهم كلام الله ومعرفة سنة رسول الله، كما أن اتباع السلف لا يكون بالانحباس  في حرفية الكلمات التي  نطقوا بها أو المواقف الجزئية التي اتخذوها، لأنهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك،. وإنما يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص وتأويلها، وأصول الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام.

إن الرجوع إلى هذه القواعد والأصول  يضيف الشيخ البوطي: واجب المسلمين في كل العصور ، فلا يختص بالرجوع إليها  والانضباط بها سلف دون خلف، بل هو القاسم المشترك والنسيج الجامع لشتى فئات المسلمين على اختلاف  عصورهم وأمكنتهم.

وإذا كان الأمر كذلك، يضيف المؤلف، فمن الخطإ بمكان أن نعمد إلى كلمة السلف فنصوغ منها مصطلحا جديدا وطارئا على تاريخ الشريعة الإسلامية  والفكر الإسلامي ألا وهو ( السلفية) فنجعله عنوانا مميزا تندرج تحته فئة معينة من المسلمين، تتخذ لنفسها من معنى هذا العنوان  وحده مفهوما معينا، حتى تغدو جماعة إسلامية جديدة  تنضاف إلى جماعات المسلمين  المتكاثرة  والمعارضة في هذا العصر.

ويضيف ما يؤكد بدعية هذا الأمر، أنه لم يخطر حتى على السلف أنفسهم، أي لم يتخذوا  من مفهوم السلفية مظهرا لأي شخصية متميزة، أو أي وجود فكري خاص بهم  يميزهم عن غيرهم من المسلمين. ويضع حاجزا يفصلهم عن جمهور الأمة. بل ويؤكد بأن المنهج الذي اتخذوه في فهم كتاب الله هو منهج  المسلمين  جميعا إلى تطبيق الإسلام، وليس  شارة انتماء إلى  جماعة إسلامية معينة من بين المسلمين عموما.

    وبهذا يكون المؤلف قد فرق بين السلفية وبين اتباع السلف، ولتبسيط المعنى في الأذهان يضرب مثلا، ولله المثل الأعلى، بأن هذا التفريق أشبه بالتفريق بين القول بكوننا « محمديين » وقولنا بأننا « مسلمون » فهذه التفرقة مما يلح  عليها المستشرقون  وجمهرة الغربيين عموما، فكلمة محمديين محملة بمعنى الانتماء إلى شخص محمد عليه الصلاة والسلام والالتفاف حول ذاته والتعصب لأفكاره الخاصة، أما كلمة مسلمين  فتعبير عن الدينونة لسلطان الله وحكمه، والقبول بكل ما جاءنا منه عن طريق رسوله الكريم، وهو نفس الأمر الذي ينطبق على السلفية والسلف، فالتمذهب بالسلفية يعني أن للسلف مذهبا خاصا بهم يعبر عن شخصيتهم، ويعني أن الذين دخلوا في المذهب، هم من دون سائر المسلمين، الذين يمثلون حقيقة الإسلام وينهضون بحقه. ويخلص الدكتور البوطي من خلال هذا الطرح إلى أن الإسلام يغدو تابعا لهذا المذهب وأصحابه ويسير وراءهم أنى ساروا.

وأما عن اتباع السلف، كما هو الشأن بالنسبة لباقي الأمة، يقول البوطي، فإنما يعني تكريم أولائك الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكريمهم من أصحاب القرون الثلاثة، والذين أخلصوا دينهم لله، واعتصموا صادقين بحبل الله. كما يعني اتباعهم في فهم الإسلام والاقتداء بهم في المنهج الذي رسموه في فهم القرآن والسنة.

وكل هذا يؤدي إلى أن التمذهب بالسلفية هو تعلق بالأشخاص، بينما اتباع السلف هو تعلق بمنهج وموضوع. فالأول وهم مبتدع ولم يكن له أي وجود في عصر السلف الصالح، والثاني واجب بإيجاب رسول الله له، وهو جزء لا يتجزأ من آداب الفهم والسلوك الإسلامي.

ويذهب البوطي رحمه الله إلى أن أصل كلمة السلفية (المعاصر) جاء على إثر تبرم أتباع المذهب الوهابي من كلمة الوهابية، لكونه اسم يدل على أن ينبوع هذا المذهب يقف عند محمد بن عبد الوهاب، فلقي الاسم الجديد  » السلفية  » هوى في النفوس التي كانت تتبرم من اسم المؤسس للمذهب الوهابي. وهكذا يقول البوطي دائما، تحولت الكلمة من شعار أطلق على حركة ( إصلاحية) إلى لقب ارتبط بمذهب يرى أصحابه على أنهم على حق، وأنهم دون غيرهم الأمناء على عقيدة السلف. مع أنه لا ينبغي أن يحتكر صاحب رأي الحق لنفسه، ويتهم غيره بالضلال والابتداع وغير ذلك من الاتهامات التي تمزق الصف المسلم. وفي نهاية كتابه يخلص الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي إلى أن لهؤلاء الحق في اتخاذ ما شاؤوا من آراء واجتهادات، وذاك شأنهم، ولكن على أساس ألا يجعلوا من آرائهم مظهرا للدين الحق الذي لا محيد عنه إلا إلى الكفر والشرك والضلال

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.