محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم: موجباتها، مقتضياتها، وكيفية التعبير عنها ـ فيديو
محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم: موجباتها، مقتضياتها، وكيفية التعبير عنها
د. محمد المصلح
مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. أما بعد فإن التعلق بالأشخاص يقوى ويزداد متانة كلما ازدادت المعرفة بهم، والاطلاع على خواص أحوالهم، والمحبة الحقيقية هي الناشئة عن إدراك خواص المحبوب.
وعندما يتعلق الأمر بالمصطفى عليه الصلاة والسلام فإن درجة محبته ومدى تمكنها من العقول والقلوب رهين بمقدار معرفة سيرته وشمائله وأخلاقه، وهي التي ينشأ عنها اتباع المحبوب صلى الله عليه وسلم، والتفاني في التأسي به. وتأسيسا على ذلك فإن المدخل الرئيس لاكتساب هذه المحبة وتوثيق عراها في الوجدان والأذهان هو معرفته صلى الله عليه وسلم من حيث يجب أن يعرف؛ أي من حيث كونه رسولا للعالمين، ومعنى ذلك أن محبة المصطفى لها أسباب وموجبات عقلية وشرعية تنتظمها المعرفة به وإدراك خواصه. بيد أن تلك المعرفة وذاك الإدراك لا يكفيان لتحقيق محبة المصطفى على الوجه المطلوب شرعا، وذلك بأن هذه المحبة لا يقنع فيها بأن تبقى حبيسة الوجدان والأذهان، وإنما يطلب فيها شرعا أن تترجم عبر الجوارح في سلوك خاص، يتمثل أساسا في طاعة المحبوب واتباعه، لذلك لا بد من الوقوف على دلائل هذه المحبة وعلامات صدقها وما تقتضيه وتستلزمه من تكاليف وتبعات، إذ بهذه المقتضيات وبمدى مراعاتها والتزامها تحدد مواقع الأشخاص ودرجاتهم في سلم هذه المحبة، كما يحدد مدى قربهم وبعدهم منها. ونظرا لأهمية هذه الجوانب -في نظري- في بيان حقيقة محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبيان مدى الصدق فيها، ومدى الاتباع والابتداع في ترجمتها، آثرت تناولها وأعالج محبة المصطفى من خلالها في هذه الورقة، وسيكون تناولي لها مرتكزا على المحاور الآتية:
أولا: حقيقة المحبة في اللغة والاصطلاح.
ثانيا: حقيقة محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: بواعث هذه المحبة وموجباتها. رابعا: علاماتها ومقتضياتها وكيفية ترجمتها في الواقع. أولا: المحبة لغة واصطلاحا: المحبة لغة: من معاني المحبة في أصلها اللغوي: الصفاء واللزوم والثبات واللب والحفظ والإمساك ، وهي معان كلها ملحوظة في المعنى الاصطلاحي للمحبة الآتي بيانه. المحبة اصطلاحا: الحد التام وفق القواعد المنطقية هو المتضمن للجنس والفصل، ومعناه أن يصنف المعرف ضمن جنسه العام ثم يميز بما يفصله عن هذا الجنس مما هو خاص به لا يشاركه فيه غيره، وهذا التعريف المتناول لماهية المعرف يصعب استعماله لتحديد معاني الأشياء غير الملموسة مثل الحب والكره، والفرح والحزن… لذلك يلجأ عادة إلى التعريف بالرسم الذي يحدد المعرف بخواصه وآثاره ولوازمه لبيان معاني هذه الأشياء غير الملموسة. وبما أن المحبة تندرج في غير الملموس فإن تعريفها بالماهية مما يصعب تحديده؛ لذلك نلحظ أن من عرفوها اعتمدوا الرسم بدل الحد، وقد جاءت عباراتهم مختلفة في التعبير عنها تبعا لتنوع خواصها ولوازمها، وكل واحد حاول تقريبها من حيث الخواص التي رأى أنها الغالبة فيها أو الأهم. ومن التعريفات التي وضعت للمحبة:
1- إيثار المحبوب على جميع المصحوب.
2- موافقة الحبيب في المشهد والمغيب.
3- مواطأة القلب لمرادات المحبوب.
4- استيلاء ذكر المحبوب على قلب المحب. ويلاحظ على هذه التعريفات أنها تناولت آثار المحبة وخواصها لا حقيقتها وماهيتها لأن ذلك مما يصعب إدراكه كما ذكرت، بيد أن القاضي عياضا رحمه الله حاول في كتابه الشفا أن يضع حدا لحقيقة المحبة فقال- بعدما ذكر جملة من التعريفات للمحبة-: « وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها، وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق الإنسان… » لكن بالرغم من أن الميل القلبي أو العقلي أو هما معا عنصر مهم في معنى المحبة فإنه لا يكفي وحده -على ما يبدو- لتشخيص حقيقة المحبة خصوصا في معناها الشرعي، لأن ما يوافق الإنسان قد لا يوافقه الشرع. وقد انتبه العلامة ابن القيم رحمه الله إلى صعوبة وضع حد للمحبة يبين الحقيقة والماهية لذلك قال: « لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة. » ثم ذكر رحمه الله أن الذين تكلموا على المحبة كلهم لاحظوا خصائصها وآثارها وبناء على ذلك قربوا معناها قال: « وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وملكه للعبارة » . ثانيا محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم مما لا جدال فيه أن كل مؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته يدعي محبته، غير أن ما يميز ما بين الصادق فيها وغير الصادق هو مدى مراعاة مقتضياتها، فمن يدعيها وهو لا يراعي مقتضياتها لا يعد صادقا فيها، كذلك من يترجمها بما يخالف مقتضياتها، لذلك لا بد من بيان ما هو شطر ومكون لأصل هذه المحبة وما هو شرط فيها، لا بد من تحديد عنصر الاتباع هل هو شطر للمحبة لا يتحقق أصلها دونه، أم هو شرط فيها؟ ومثار هذا التساؤل الأخير حول الاتباع هل هو شرط أم شطر هو أن بعض علماء الأمة عرف المحبة بأنها اتباع، منهم الإمام سفيان الثوري الذي قال: « المحبة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم » وظاهر كلامه أن الاتباع شطر، بيد ان الراجح أن كلام الإمام الثوري معبرا عن آثار المحبة لا عن حقيقتها وأصل وجودها، فيكون قد عرف المحبة بأهم آثارها وعلاماتها.
ويبقى القول بأن أصل وجود محبة المصطفى هو الميل العاطفي له صلى الله عليه وسلم هو المعول عليه، وأن الاتباع شرط لها . وتبعا لذلك يثار تساؤل آخر حول طبيعة هذه المحبة هل هي قلبية عاطفية أم هي عقلية أم هي قلبية وعقلية معا؟ ومن خلال تعريفات السابقين لمحبة المصطفى والتي هي تعريفات بالرسم لا بالحد كما ذكرت سابقا، وأخذا للتساؤلات السابقة بعين الاعتبار يمكن صياغة تعريف جامع لهذه المحبة في أعلى كمالاتها، كما يمكن صياغة تعريف لها في أدنى مستويات وجودها عند مدعيها. فأما التعريف الجامع لها فهو: « الميل العاطفي والعقلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيثاره على كل محبوب من الخلق واتباع ما جاء به ». وأما التعريف المتناول لأصل وجودها فقط فهو « الميل القلبي والعقلي إلى الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ». وتأسيسا على ذلك يتبين أن لهذه المحبة درجات كما أن لها نواقض ومضادات. فأدنى مستوياتها هو وجود الميل القلبي والعقلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغض النظر عن درجة هذا الميل وحرارته، فالذي يوجد عنده هذا الميل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمانه به نبيا ورسولا فهو محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم (ما لم ينقض هذه المحبة بما يتنافى معها مما سيأتي الحديث عنه بعد)، لكنها محبة ناقصة.
والذي يضيف إلى هذا الميل والتعلق إيثاره صلى الله عليه وسلم وإيثار سنته على مألوفات النفس والهوى فقد حَصَّل درجة في هذه المحبة وارتقى في سلمها، والذي يضيف إلى ذلك إيثاره صلى الله عليه وسلم حتى على نفسه التي بين جنبيه وإيثار سنته على مألوفات النفس والهوى فيكون قد ارتقى في سلم هذه المحبة إلى أعلى درجاته. ولذلك فكل مؤمن به صلى الله عليه وسلم وله ميل إليه، فإن له نصيبا من هذه المحبة ما لم يناقضها بأن يأتي بما يتنافى معها ويخالف مقتضياتها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا السياق: « فإن كانت المحبة متوسطة أو قريبة من ذلك كان معه (أي مع المحبوب) بحسب ذلك، وإن كانت المحبة كاملة كان معه كذلك، والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة للمحبوب في محابه إذا كان المحب قادرا عليها فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك وإن كانت موجودة… » ثالثا: بواعث محبة المصطفى وموجباتها: هناك موجبات عقلية يقضي بها العقل السليم، وهناك موجبات شرعية قضى بها الشرع الحكيم، وذكر الموجبات العقلية ليس معناه اتخاذ العقل وحده وسيلة لإيجاب هذه المحبة، لأن المقتضيات العقلية غير ملزمة شرعا إلا إذا كانت مؤيدة بالوحي، وإنما المقصود من ذكرها هو إثبات أن هناك تطابقا بين العقل والشرع في إقرار هذه المحبة.
1- الموجبات العقلية لمحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم: العقل السليم المسدد يوجب هذه المحبة من وجوه عدة أهمها:
أ- كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا رحمة للعالمين، مصداقا لقوله عز وجل: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107). ومن تجليات هذه الرحمة إخراج البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى ومن الشقاء إلى السعادة، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد… يقول ابن تيمية رحمه الله في إثبات السند العقلي والجبلي لهذه المحبة: « وذلك لأنه لا نجاة لأحد من عذاب الله، ولا وصول له إلى رحمة الله إلا بواسطة الرسول، صلى الله عليه وسلم: بالإيمان به، ومحبته، وموالاته، واتباعه، وهو الذي ينجيه من عذاب الدنيا والآخرة وهو الذي يوصله إلى خيري الدنيا والآخرة فأعظم النعم وأنفعها نعمة الإيمان ولا تحصل إلا به صلى الله عليه وسلم وهو أنصح وأنفع لكل أحد من نفسه وماله، فإنه الذي يخرج الله به من الظلمات إلى النور لا طريق له إلا هو… » ويقول القاضي عياض رحمه الله: « وأما إحسانه وإنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف إليه تعالى له من رأفته بهم ورحمته لهم وهدايته إياهم وشفقته عليهم واستنقاذهم به من النار وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ورحمة للعالمين، ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقيم… وأي إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين؟ إذ كان ذريعتهم إلى الهداية ومنقذهم من العماية، وداعيهم إلى الفلاح والكرامة، ووسيلتهم إلى ربهم، وشفيعهم، والمتكلم عنهم، والشاهد لهم، والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمد…
فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفا أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذي بها… فمن منحه ما لا يبيد من النعم ووقاه مالا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب ». فهذه المظاهر من الرحمة والإحسان تستوجب عقلا وجبلة محبة من كان سببا إليها ودالا على نيلها. ب- كمال الخلقة وجمال الصورة: لم تحفظ تفاصيل الصورة الخلقية لأي بشر في التاريخ كما حفظت تفاصيل صورته وهيأته صلى الله عليه وسلم فقد عرفت قسمات وجهه، ولون بشرته، وشعره، وطول قامته، وشكل لحيته، وأنفه، وأسنانه، وطيب رائحته… وقد حفظت لنا كتب السنة، وكذا كتب السيرة والشمائل كل هذه التفاصيل الجسدية لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لو استوعب المرء هذه التفاصيل والصفات لأمكنه أن يتخيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستعرض صورته أمام عينيه وكأنه ينظر إليه. وهذه الأوصاف الخليقة ترسم لرسول الله صورة جميلة جذابة لما تمثله من كمال الصفات الجسدية. ولا يسع المرء حين يتعرف هذه الصفات ويقف على دقائقها إلا أن يتعلق بشخص رسول الله ويحبه، لو قرأ المرء فقط ذلك الوصف الدقيق الرائع الذي وصفت به أم معبد -رضي الله عنها- رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بها أثناء هجرته إلى يثرب، وعرف مدلولات عباراته وألفاظه لتعلق به وأحبه واشتاق إلى رؤيته صلى الله عليه وسلم، إذ الإنسان مفطور على حب الصور الجميلة. وعلى الإنسان المسلم أن يعرف هذه الأوصاف لأنها من بواعث محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ج- كماله الخُلقي صلى الله عليه وسلم: لقد بلغ رسول الله في مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم السقف الأعلى بل هو الذي أتم صرح الأخلاق الحميدة كما قال عليه الصلاة والسلام: « بعثت لأتمم حسن الأخلاق » فهو مضرب مثل، وأسوة حسنة في كل خلق كريم، وخصلة حميدة، وشيمة حبيبة، ما بلغ أحد مبلغه صلى الله عليه وسلم في حلمه، وجوده، وشجاعته، وحيائه، وتواضعه، وعدله، ووقاره، وزهده، ورجاحة عقله، وحسن عشرته، وشفقته على أمته، ورحمته بالمؤمنين، ورأفته بهم، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة التي ترجمها عليه الصلاة وسلام في سيرته وسنته. ويكفي شهادة على كماله الخلقي قول ربنا عز وجل في حقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4). قال القاضي عياض: « وإذا كان يحب بالطبع ملك لحسن سيرته أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته أو قاض بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحق بالحب وأولى بالميل » هذه بعض البواعث والموجبات العقلية والفطرية على محبته صلى الله عليه وسلم والتعلق به والشوق إلى لقائه. 2
– الموجبات الشرعية: لقد وردت نصوص كثيرة توجب محبة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتقديمها على محبة المال والولد والنفس، منها قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم مّن اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي اللّه بأمره واللّه لا يهدي القوم الفاسقين) (التوبة: 24) ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين .
ومن ذلك ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم أنت أحب إلي يا رسول الله من كل شيء إلا من نفسي التي بين جنبي فقال صلى الله عليه وسلم: « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: « الآن يا عمر » أي الآن آمنت بي حق الإيمان. قال ابن القيم رحمه الله: « ولا يتم للمؤمنين مقام الإيمان حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم فضلا عن أبنائهم وآبائهم » . فهذه النصوص وغيرها تدل على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن الإيمان به صلى الله عليه وسلم لا يكتمل إلا بها، وهي من حقوقه صلى الله عليه وسلم على كل فرد آمن به.
رابعا: علاماتها ومقتضياتها وكيفية ترجمتها في الواقع: كل دعوى لا تقوم على دليل فأصحابها أدعياء، إن محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم لها علامات تعرف بها ومقتضيات تستلزمها إن لم تتحقق كانت هذه المحبة دعوى بلا دليل . ومن أهم علاماتها ومقتضياتها: 1- اتباعه صلى الله عليه وسلم وطاعته في كل ما جاء به، إن أقوى شاهد على صدق المحب موافقته للمحبوب، فالمحب مطيع للحبيب، ومن أهم علامات محبة المصطفى، وأهم ما يترجمها، اتباعه صلى الله عليه وسلم وتحكيم سنته في الشأن الخاص والعام، ويترتب على ذلك أمران هامان:
أ- إن الذي يدعي محبة المصطفى إذا لم يترجمها في سلوكه بالتأسي به صلى الله عليه وسلم، فهو غير صادق في هذه المحبة، يقول القاضي عياض رحمه الله: « اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا في حبه، وكان مدعيا، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه وأولها الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، وشاهد ذلك قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (آل عمران: 13) .
ب- إن الذي يدعي هذه المحبة ويعبر عنها بما يتنافى مع سنته صلى الله عليه وسلم لا يكون محبا في ميزان الشرع بل هو مبتدع ومخالف لمقتضى هذه المحبة، إن هذا الشخص قد يكون صادقا في محبته العاطفية للمصطفى صلى الله عليه وسلم ولكنه بتجاوزه لمقتضياتها في التعبير عنها يكون قد خرم هذه المحبة وناقضها. إن التعبير عن محبة المصطفى، لا يخضع للأذواق والأهواء والانفعالات. لا يجوز للمرء أن يعبر عن هذه المحبة بما يشاء ويترجمها في سلوكه كيف يشاء، إن ما يخترعه بعض الأشخاص وبعض الطوائف من المسلمين من البدع والأوهام مدعين أن لهم محبة زائدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويتخذون ذلك وسيلة للتعبير عن هذه المحبة فإن الشرع لا يقره، لأن الشرع لم يعط الإنسان حرية التعبير عن عواطفه ومشاعره وتلبية دواعيها بأي طريقة شاء، بل الشرع هذب هذه العواطف والمشاعر ووضع للتعبير عنها وتلبية دواعيها ضوابط وشروطا. فالإنسان مثلا يحب المال وتتعلق بها نفسه، والشرع يقدر هذا الحب للمال وتعلق النفس به، لكنه لم يبح للإنسان أن يكتسبه بأي طريقة شاء، بل وضع له حدودا وضوابط يجب عليه أن يحترمها. والرجل مجبول على حب المرأة والتعلق بها وقد أقر الشرع هذا الحب، بيد أنه لم يبح للرجل أن يستجيب لدواعي هذه المحبة ويلبيها كيف يشاء، بل حدد له طريقة واحدة لإشباع مقتضاها الضاغط هي الزواج الشرعي. هكذا محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم حدد الشرع للتعبير عنها وترجمتها كيفية خاصة هي الانضباط بسنته صلى الله عليه وسلم والالتزام بها،
2- تعزيره وتوقيره صلى الله عليه وسلم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان معنى التعزير والتوقير: « التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من الشرف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار » . وهذه النصرة والتأييد والإجلال والاحترام تجب له صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته، ومن مظاهر نصرته وتأييده وإجلاله بعد وفاته، الانتصار لسنته، والذود عنها وخدمتها، وعدم تقديم شيء من الآراء عليها، والتأدب بآدابه، والصلاة عليه، وإظهار الخشوع والانكسار عند ذكر اسمه…
3- حب من أحبه المصطفى صلى الله عليه وسلم وبغض من أبغضه ومعاداة من عاداه. من مقتضيات محبة المصطفى عليه الصلاة والسلام حب من كان رسول الله يحبه وبغض من كان يبغضه ومعاداة من كان يعاديه. وممن أحبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بحبهم: أ- آل بيته: فهؤلاء تجب محبتهم بمقتضى محبة محمد صلى الله عليه وسلم، وبمقتضى أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بمحبتهم، فمحبتهم واجبة بيد أنها محبة تشرع لا محبة تشيع. ب- الصحابة رضي الله عنهم: من علامات محبة المصطفى ومقتضاها حب صحابته الكرام كلهم بدون استثناء، وتوقيرهم واحترامهم، فلا يجوز بغض أحدهم أو تنقصه أو تناوله بسوء باسم حرية البحث والنقد أو تحت أي عنوان، لأن كل ذلك مخالف لمقتضيات محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم. يقول القاضي عياض رحمه الله: « ومن توقيره وبره صلى الله عليه وسلم توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقهم والاقتداء بهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم والإمساك عما شجر بينهم ومعاداة من عاداهم والإضراب عن أخبار المؤرخين وجهلة الرواة وضلال الشيعة والمبتدعين القادحة في واحد منهم… وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه » . ويكفيهم فضلا وعدلا أن الله تعالى رضي عنهم ووعدهم بالحسنى التي هي الجنة فقال جل من قال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) (التوبة: 100). وقال أيضا: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) (الحديد: 10).
فبغض أحد هؤلاء الصحابة أو تنقصه أو ذكره بسوء، أو تجريحه، كل ذلك يعتبر مخالفة لما تستوجبه محبته صلى الله عليه وسلم. ج- حب عموم المؤمنين: وصف الله تعالى رسوله الكريم في علاقته بالمؤمنين به بأنه رؤوف رحيم، وبأنه لين القلب واللسان لهم فقال عز وجل: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (آل عمران: 159). فهذه شهادة الله تعالى لنبيه بأنه كان شديد الرحمة والمودة للمؤمنين به، وكان يحس ألما في قلبه إذا أصيب أحد من هؤلاء بأذى أو مكروه (عزيز عليه ما عنتم) (التوبة: 128). فمحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم تستلزم محبة المؤمنين به، لأنه أحبهم وسعى إلى رحمتهم والرأفة بهم. د- حب أمته صلى الله عليه وسلم وتقديم النصح لها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لأمته، وحريصا على التخفيف والتيسير عليها. من شواهد ذلك: – قوله صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة – قوله عليه الصلاة والسلام: لكل نبي دعوى مستجابة يدعو بها وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة . – قوله صلى الله عليه وسلم « يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا » فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب أمته حبا شديدا، ومقتضى ذلك أن محبته صلى الله عليه وسلم تستلزم محبة أمته، وتقديم النصح لها، والسعي إلى رفع المعاناة عنها، والاهتمام بشأنها، والاعتزاز بالانتماء إليها…
فالمسلم الذي يبغض أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو يحتقرها أو يسعى إلى كسر شوكتها وتشتيت شملها وتفريق كلمتها ووحدتها، أو يعين عليها عدوها… يعتبر شرعا غير صادق في محبته للمصطفى صلى الله عليه وسلم لأن المحبة الصادقة تقتضي موافقة المحبوب فيما يحبه ويكرهه. هذه بعض علامات محبة المصطفى وبعض مقتضياتها. خاتمة: وخلاصة ما سبق أن محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم لها أسباب وموجبات عقلية وشرعية، ولها علامات ومقتضيات، وأن الطريق الصحيح لاكتسابها هو إدراك تلك الموجبات والأسباب ومعرفتها، وكلما ازداد المرء معرفة بتلك الأسباب وإدراكا لها ازداد معرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم واقترابا منه، وكلما ازداد معرفة به ازداد محبة له صلى الله عليه وسلم وتعلقا به وشوقا إلى لقائه. ثم إن هذه المحبة الناشئة عن المعرفة لا تكتمل إلا بترجمتها في السلوك بطاعة المحبوب صلى الله عليه وسلم واتباعه، وبمراعاة جميع مقتضياتها ومستلزماتها، وتجنب خوارمها ونواقضها المذكورة. وصل اللهم وسلم على الحبيب المصطفى ما تعاقب الليل والنهار.




Aucun commentaire